بين أروقة العلم وبُسُط المعرفة، بذرتُ فى عقول طالباتى سؤالاً لا يزال صداه يتردد: أهو التعليم غاية نصبو إليها، أم مطية نمتطيها لبلوغ غايات أخرى؟ ترقبتُ ملامح الحيرة، فإذا ببعضهن يصمتن، والبعض الآخر يقعن فى لغط شديد، قبل أن ينصرفن سريعاً إلى أحاديث جانبية عبثية تملصاً من وطأة التفكير. وقفتُ أراقب ضجيجهن المفتعل، فتفتت انتظارى هباءً؛ فقد غدت هذه الأجيال تحيا لمجرد الحياة بلا بوصلة، غافلة عن أن المجد لا يناله إلا من حمل فى قلبه قناديل الغاية.. أدركتُ تماماً أن التعليم لم يعد لديهن ولا لدى آبائهن هدفاً يُرجى، بل صار مطية تُمتطى للوصول إلى الكلية المُبتغاة، فى مجتمع أعوج يبحث عن المباهاة وقشور الشهادات أكثر من جوهر المعرفة؛ فغدت المدارس معابر للعبور لا محاريب للفكر، وأصبحنا ننشئ أجيالاً تحمل فى أياديها أوراقاً رسمية بينما تفتقر أرواحها لعمق المعنى وجوهر الحقيقة.. أخذنى الحنين المباغت إلى عهد الصبا، حين كان استلام كتب العام الجديد تفوق فرحته فرحة النجاح، وتحديداً ذلك «الأطلس المدرسى» الذى كنتُ ألتهم خرائطه وتضاريسه، فيزرع فى أعماقى شعلة شغف لا تفتر. يومها كان للعلم قيمته الرصينة فى تفاصيل صغيرة؛ كدفتر الرسم الكبير الوقور وقلم «الكوبيا»، وجماعات الشرطة والصحة المدرسية التى تعكس مدى جدية المدرسة وتغرس فى النفوس معنى المسئولية والالتزام. وفى مرحلة الفتوة، كان الكنز الآخر: «المعجم الوجيز»، الذى أقضى الساعات الطوال فى استخراج غريب مفرداته وتدوينها بدقة، فى زمن كانت فيه المسابقات المدرسية حقيقية تعكس روح العلم وصدقه قبل أن تصبح مجرد أنشطة زائفة.
الحقيقة المؤلمة أن التعليم كان قديماً هدفاً مأمولاً، ثم دارت رحى الفساد حتى أضحى اليوم وسيلة تحكمها ميكيافيلية «الغاية تُبرر الوسيلة». وما احتفالات الأسر بانتهاء امتحانات الثانوية العامة إلا بدعة محدثة تُصوّر التعليم وكأنه سياط من جمر يُحتفل بالنجاة منه لا بالتفوق فيه.
فى النهاية، لا يسعنى إلا أن أنعى طهراً كان يملأ أروقة المدارس، بعد أن أفل نجم المعرفة، ورحل سَدَنةُ الفكر، ولم يبقَ لنا فى قاعاتنا الباردة إلا ذكريات زمن كان فيه الكتاب روحاً، والقلم بوصلة، والمدرسة محراباً يُقدس العلم.
كبير معلمين


سوق الكتابة الرخوة!
إنجاز بيئى
الذكاء الاصطناعى .. لغة كل المهن







