«بالألوان»: مشروعات التخرُّج.. إبداع لا يستحق أن يُهمَل

لوحة من مشروع تخرج الطالبة بسمة صلاح - كلية الفنون الجميلة
لوحة من مشروع تخرج الطالبة بسمة صلاح - كلية الفنون الجميلة


الفن التشكيلى مجموعة متنوعة من الإبداعات البصرية التى تعكس ثقافات وحضارات الشعوب، ولكل مبدع تجربة تحمل بصمته الخاصة التى تترجمها أعماله..

ليس مشروع التخرّج فى كليات الفنون مجرد متطلب أكاديمى للحصول على الدرجة العلمية، بل لحظة فارقة فى حياة الفنان الشاب، والاختبار الأول الذى يعلن من خلاله عن هويته الإبداعية أمام أساتذته والجمهور معًا.. فهو العمل الذى يختزل خمس سنوات من الدراسة والتجريب والبحث، ويقدِّم خلاصة الموهبة والمعرفة فى عملٍ واحد قد يكون بوابة العبور إلى المستقبل.
فعندما يحقق الطالب حلمه بالالتحاق بإحدى كليات الفنون المتخصصة، مثل الفنون الجميلة أو الفنون التطبيقية، يبدأ منذ سنواته الأولى فى رسم ملامح مشروع التخرّج الذى ينتظر إنجازه بشغف، وفى هذه اللحظة يقف أمام لجنة تضم كبار الأساتذة والمتخصصين، ليس للحصول على شهادة التخرّج فحسب، وإنما لنيل اعتراف أكاديمى يفتح له الطريق إلى الحياة المهنية.
نقطة انطلاق
وربما لهذا السبب احتل مشروع التخرّج مكانة استثنائية فى تاريخ الفن المصرى، فكم من فنان كبير كانت بدايته الحقيقية من هذا المشروع الذى تحوَّل من عمل دراسى إلى بطاقة تعريف فنية، ومن مجرد امتحان نهائى إلى نقطة انطلاق نحو الشهرة والاحتراف، قبل أن يفرض صاحبه حضوره فى المشهد التشكيلى والمعمارى.
ومن المعروف أن مشروعات التخرّج فى الكليات العملية بوجه عام، تستنزف الكثير من الوقت والجهد والمال، وتتطلب قدرًا كبيرًا من البحث والابتكار والتفكير خارج الصندوق، لأنها تمثل خاتمة مرحلة أكاديمية فارقة، وبداية مرحلة جديدة أكثر ارتباطًا بالواقع وسوق العمل الذى يختلف كثيرًا.
لذلك فإن اختيار فكرة المشروع لا يعد مجرد قرار دراسى، بل خطوة تؤسس لما بعدها، وقد ترسم ملامح المستقبل المهنى لصاحبها.. وفى كل عام تزخر هذه المشروعات بأفكار إبداعية تستحق التقدير والرعاية، بل إن بعضها يمتلك مقومات التنفيذ الفعلى إذا ما وجد الجهة التى تتبناه، ومع الطفرة العمرانية والإنشائية التى تشهدها مصر، وما يصاحبها من إنشاء مدن جديدة وتطوير الميادين والحدائق والمبانى العامة بمختلف المحافظات، تبدو الفرصة مواتية للاستفادة من هذه الطاقات الشابة وتحويل أفكارها إلى مشروعات واقعية تضيف قيمة جمالية ووظيفية للمجال العام، بدلًا من أن تبقى حبيسة قاعات العرض أو أرشيف الكليات.
طاقات مُهدرة
لكن يبقى السؤال الأهم: ما الآلية التى يمكن من خلالها ربط مشروعات التخرّج باحتياجات الدولة والمجتمع؟ وكيف نحوِّل هذا الجهد الإبداعى الذى يتجدد كل عام، من طاقات مهدرة إلى مشروعات قابلة للتنفيذ تسهم فى دعم التنمية وتعكس إمكانات شباب الفنانين والمعماريين؟
كم أتمنى أن يكون هناك تنسيق حقيقى بين وزارة التعليم العالى ووزارة الثقافة، لتنظيم معرض سنوى كبير يضم أفضل مشروعات التخرّج فى كليات الفنون بمختلف تخصصاتها، من الجرافيك والنحت والتصوير والخزف والديكور والعمارة وغيرها.. على أن تتم دعوة الوزارات والهيئات الحكومية، إلى جانب الشركات والمؤسسات الخاصة والمطورين العقاريين، لمشاهدة هذه الأعمال على الطبيعة، والتعرّف إلى ما تحمله من أفكار مبتكَرة ورؤى إبداعية قابلة للتنفيذ.
فمن المؤكد أن بين هذه المشروعات نماذج فنية ومعمارية تمتلك من الجودة والتميّز ما يؤهلها لتجميل الميادين والحدائق والمبانى العامة، بل وربما تتفوق فى بعض الأحيان على أعمال نراها اليوم فى عدد من المشروعات الجديدة، فضلًا عن أن تنفيذها سيكون أقل تكلفة، مع إتاحة الفرصة لجيل جديد من الفنانين لإثبات قدراتهم والانطلاق فى حياتهم المهنية.
حقوق الملكية
غير أن نجاح هذه المبادرة يتطلب وجود منظومة واضحة لحماية حقوق أصحاب المشروعات، من خلال توثيق الأعمال قبل عرضها، ووضع آليات قانونية تضمن عدم استغلالها أو الاقتباس منها دون موافقة أصحابها، وهنا يبرز الدور المهم الذى يمكن أن تضطلع به نقابة الفنانين التشكيليين بالتعاون مع الكليات والجهات المعنية، فى متابعة تنفيذ هذه الضوابط وصون حقوق الملكية الفكرية، خاصة فى ظل ما شهدته الساحة الفنية خلال السنوات الأخيرة من بعض التجاوزات التى تؤكد أن هذه القضية لم تعد تحتمل التأجيل.
تبقى مشروعات التخرّج أكثر من مجرد أعمال أكاديمية تنتهى بالحصول على الشهادة.. فهى رصيد حقيقى من الأفكار والطاقات والإبداعات التى تستحق أن تجد طريقها إلى الواقع، وإذا نجحنا فى بناء جسور حقيقية بين الجامعات ومؤسسات الدولة والقطاع الخاص، فسوف تتحوَّل هذه المشروعات من لوحات ونماذج معروضة داخل الكليات، إلى إنجازات تُزَيِّن مياديننا ومدننا ومؤسساتنا، وتمنح جيلًا جديدًا من الفنانين والمعماريين، فرصة حقيقية لإثبات موهبته وخدمة مجتمعه.. فالموهبة وحدها لا تكفى، وإنما تحتاج إلى مَن يكتشفها، ويؤمن بها، ويمنحها الفرصة لتنطلق.