جريمة المحامية المتهمة بقتل والدتها، وتقطيع جسدها، ووضع رأسها فى الثلاجة، تتجاوز حدود التصور، وصدمة إنسانية تهز الوجدان.. ليست مجرد قتل، بل اعتداء على أقدس الروابط الإنسانية والفطرية، وتصيب المجتمع بالذهول، «أى زمنٍ هذا الذى نعيشه»؟
وعادة ما ترتبط هذه الجرائم البشعة بدوافع نفسية معقدة، أو اضطرابات عقلية حادة، أو ضغوط أسرية ممتدة، ويصنف علم النفس الجنائى الأبناء الذين يقتلون والديهم ضمن عدة فئات رئيسية، فمنهم من يعانى اضطرابات شخصية أو أمراضا ذهنية تدفعه إلى الاعتقاد بأن والديه يمثلان قوى شريرة يجب التخلص منها، وهناك من يكون ضحية سنوات طويلة من الإساءة والعنف الأسري، وتوجد حالات تحركها الدوافع المالية والطمع، والخلافات حول الميراث، حيث يخطط بعض الأبناء لقتل آبائهم أو أمهاتهم طمعا فى الاستيلاء على الأموال أو الممتلكات.
وأيا كانت الأسباب، وحتى تتكشف الحقيقة كاملة من خلال التحقيقات والتقارير الرسمية وما ينتهى إليه القضاء، فإن هناك حقيقة لا تحتاج إلى انتظار حكم قضائى، وهى أن الاعتداء على الأم يمثل انهيارا أخلاقيا وإنسانيا بالغ الخطورة، فالمجتمعات تُقاس بقدرتها على حماية الأضعف، والأم كانت وستظل فى وجدان الإنسانية رمزا للرحمة والعطاء والبر والإجلال.
وحين نتخيل تفاصيل هذه الواقعة، تتجمد الدموع فى العيون، كيف يمكن لإنسانة درست القانون أن تصل إلى هذا الحد من القسوة؟ وكيف يمكن لعقل بشرى أن يستوعب مشهدًا بهذه البشاعة؟
وفى علم الإجرام، يوجد مفهوم يُعرف بـ«القتل العبثي»، وهو من أخطر أنماط الجرائم، ويغيب فيه الدافع المادى أو الانتقامى أو حتى النزاع الأسرى التقليدى، ويكون القتل مدفوعًا برغبة مرضية فى ممارسة العنف، أو الإشباع النفسى المنحرف، ولا يجوز الجزم بأن المحامية القاتلة من هذا النوع به، قبل انتهاء التحقيقات.
وإذا ثبت هذا الاحتمال، فنحن أمام تساؤلات مخيفة حول حجم التبلد العاطفى الذى قد يبلغه الإنسان، عندما يفقد صلته بقيم الرحمة والضمير، وينحدر إلى مستويات غير مسبوقة من القسوة، وهو ما يستوجب مراجعة جادة للقيم الإنسانية ،التى تتعرض لانهيارات قاسية، ومتغيرات اجتماعية منحدرة.
وما يثير القلق ليس وقوع الجرائم فى حد ذاته، فهى صاحبت البشرية عبر التاريخ، وإنما ازدياد مظاهر القسوة، وتحول بعض مشاهد العنف إلى مادة يومية مألوفة فى وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعى، واعتياد الناس على رؤية الدم وسماع أخبار الجرائم، يؤدى إلى تآكل الحس الإنسانى، ويهدد منظومة القيم التى تحفظ للمجتمع تماسكه واستقراره.
والمواجهة الحقيقية لا تقتصر على العقاب، رغم ضرورته لتحقيق العدالة، وإنما تبدأ بالبحث الجاد فى أسباب التفكك الأسرى، وتعزيز الصحة النفسية، وترسيخ قيم الرحمة والاحترام داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع، لأن الوقاية تبقى دائما أكثر أثرا من العلاج، والأمم تُبنى بقيم الرحمة، وصون الأسرة، وتعظيم حق الوالدين.
وحين تمتد يد العنف إلى الأم، لا تكون الضحية شخصا واحدا فحسب، بل تُصاب الإنسانية كلها بجرح عميق، ويصبح السؤال الحزين: أى زمنٍ هذا الذى نعيشه ؟


سياسة الباب المفتوح
الحَر.. فى مصر
اسألوا على بعض






