إنها مصر

الخليج وإيران .. حتمية التعايش!

كرم جبر
كرم جبر


 ترامب يخير إيران بين قبول التسوية، أو مستوى أعنف من الضربات، وطهران ترد بقبول التحدى وتهدد بتوسيع المواجهة، وتزداد الأمور تعقيدا، وتدخل المنطقة بأكملها مرحلة حرجة من تكسير العظام، فهل تنجح تفاهمات اللحظات الحرجة فى منع الانزلاق نحو المواجهة الشاملة، أم يحدث تحول دراماتيكى يعيد رسم خريطة الصراع بأكمله؟

ستنتهى الحرب عاجلا أو آجلا، ولكن ما بعدها لن يكون كما قبلها، وسيضطر الجميع إلى الجلوس على طاولة الواقعية، والسعى لولادة إقليم يقرر مصيره بنفسه، ويطوى صفحة الفرص الضائعة.. فصلا جديدا من الاستقرار لا تصنعه أطماع إقليمية، ولا إملاءات خارجية.

ويدرك الجميع أن استقرار دول الخليج، هو ضمانة لمنع الانفجار الشامل، وأن الأمن يُبنى بالتفاهمات، لا بالهجمات الصاروخية والقواعد الأجنبية، وإن الانتقال من عقلية الصراع إلى منطق التعايش المشترك، هو المخرج الوحيد، لضمان استمرار التنمية، بعيدا عن التوتر والحروب.

ومن مخرجات الصراع أن التواجد الأمريكى، تحول من أداة للردع إلى سبب للاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، وجعلت طهران من هذا الوجود ذريعة لتصفية حساباتها مع واشنطن، على حساب أمن المنطقة واستقرارها، وهو منطق لا يستقيم مع حسن علاقات الجوار، وحق سائر شعوب المنطقة فى الأمن والاستقرار.

ويبقى مستقبل العلاقات الإيرانية الخليجية بعد انتهاء الحرب، رهنا بمدى استعداد طهران لاستبدال استراتيجية الابتزاز العسكرى والتخلى عن التصعيد، وبناء شراكات إقليمية حقيقية تحترم سيادة الجوار، وأن تكف أذرعها العسكرية عن التدخل فى شئون الغير.

ومن مخرجات الصراع أن الولايات المتحدة، فقدت هيبة دورها كضامن للأمن الإقليمى، بعد أن عجزت عن توفير الحماية الفعلية، ولم تنجح حشودها العسكرية فى كبح جماح التهور الإيرانى السافر، وبدلا من إحلال الاستقرار، يسود القلق وتتوالى الأزمات، ويبقى هذا الواقع المرير، هو التحدى الأبرز على طاولة القرار الخليجى.

وتراجعت الوعود الدعائية التى روج لها ترامب وفريقه، بأن الضغوط القصوى، ستدفع الشعب الإيرانى للخروج إلى الثورة والإطاحة بالنظام، وأثبت الواقع أن هذه الحسابات كانت منفصلة تمامًا عن تعقيدات الداخل الإيرانى، وقد يجد ترامب نفسه مضطرًا لقبول تسوية لا تحقق انتصارًا، وتكتفى فقط بحفظ ماء وجهه، أمام الرأى العام الأمريكى، بعد أن أدرك أن الرهان على تغيير الأنظمة من الخارج، ليس سوى سراب سياسى.

ستنتهى الحرب عاجلا أو آجلا، وما بعدها لن يكون أبدًا كما قبلها، لأن الحقائق التى فرضتها المواجهة أسقطت أشياء كثيرة، وأعادت رسم خريطة المصالح والتحالفات فى الشرق الأوسط، ووضعت المنطقة أمام لحظة فارقة، لتأسيس نظام إقليمى جديد يصنعه أبناؤها، بعيدًا عن الاعتماد على القوى الخارجية.

الجغرافيا لها أحكام لا تقبل الطعن، وشاء القدر أن تكون إيران جارا لدول الخليج، والخيار الأكثر عقلانية ليس منطق الصراع، وإنما إدارة التعايش، مهما بلغت الخلافات السياسية.