يراودنى سؤال لا يفارقنى كلما شاركت فى معرض دولى للكتاب أو التقيت بناشرين ومترجمين من مختلف أنحاء العالم: لماذا لا يصل الأدب المصرى، بكل ما يزخر به من ثراء وتنوع إلى القارئ الأجنبى بالمكانة التى يستحقها؟، ولماذا تظل عشرات الروايات العربية القوية حبيسة لغتها، بينما تجد أعمال أقل قيمة طريقها إلى العالمية لأنها حظيت بمن يقدمها ويؤمن بها ويعرف كيف يسوقها؟.
لهذا السبب تابعت بإعجاب شديد خطوات الناشر الذكى، المبدع شريف بكر لإطلاق مبادرته «أصوات عربية» لأنها ليست مجرد مشروع جديد فى عالم النشر، بل هى رؤية واعية لمشكلة طالما عانى منها الأدب العربى، وهى غياب الآليات الاحترافية التى تفتح له أبواب العالم.. وتزداد أهمية المبادرة حين نعرف إنها حظيت باهتمام وحماس «الاتحاد الأوروبى» الذى قرر تقديم الدعم والتمويل للفكرة البراقة،
فى تأكيد واضح على الإيمان بأهمية الثقافة بوصفها جسرًا للحوار بين الشعوب، وأن الأدب العربى يمتلك من الثراء ما يجعله جديرًا بأن يكون حاضرًا على خريطة النشر العالمية.
أقيم حفل تدشين المشروع الأسبوع الماضى فى المركز الثقافى الإيطالى بالقاهرة وسط حضور لافت من الناشرين والكتاب والمترجمين والمهتمين بصناعة النشر وحقوق الترجمة، فى أجواء تعكس حجم الرهان على هذا المشروع الثقافى الطموح.
سوف تقدم المنصة مجموعات مختارة من الروايات العربية القابلة للترجمة، وتعرضها بصورة احترافية أمام الناشرين الأجانب ووكلاء الحقوق والمترجمين فى مختلف أنحاء العالم، لتصبح نافذة منظمة يستطيع من خلالها المهتمون التعرف على أحدث وأهم الأصوات الروائية العربية، بدلاً من أن يظل الأمر رهن المصادفات أو العلاقات الشخصية.
أرى أن ما يميز «أصوات عربية» أنها لا تنظر إلى الترجمة باعتبارها مجرد عملية نقل كلمات من لغة إلى أخرى، وإنما باعتبارها استثمارًا ثقافيًا طويل المدى. فالترجمة الحقيقية تنقل روح المجتمع،
وتعكس قيمه وأسئلته وأحلامه، وتتيح للقارئ فى أى مكان أن يتعرف إلى الإنسان العربى بعيدًا عن الصور النمطية التى كثيرًا ما تروجها وسائل الإعلام.
كما أن المبادرة تعبر عن فهم عميق للتحولات التى شهدتها صناعة النشر عالميًا. فلم تعد دور النشر الكبرى تنتظر أن تصلها الأعمال المتميزة بالمصادفة، بل تبحث عنها من خلال منصات متخصصة وأسواق لحقوق النشر والترجمة، ومعارض دولية أصبحت فيها حقوق الترجمة صناعة قائمة بذاتها. ومن هنا فإن إنشاء منصة عربية متخصصة فى تقديم الرواية العربية للعالم يمثل خطوة بالغة الأهمية، طال انتظارها.
ويحسب لشريف بكر أنه أدرك مبكرًا أن دور الناشر لم يعد يقتصر على طباعة الكتب وإخراجها إلى الأسواق المحلية، وإنما أصبح شريكًا حقيقيًا فى صناعة مستقبل الكاتب، وفتح آفاق جديدة أمامه للوصول إلى قراء جدد بلغات وثقافات مختلفة. وهذه الرؤية هى التى تميز الناشرين الذين يصنعون الفارق فى المشهد الثقافى، لأنهم يؤمنون بأن نجاح الكاتب هو نجاح لصناعة النشر بأكملها.
إن «أصوات عربية» ليست مجرد منصة إلكترونية، وإنما مشروع ثقافى يحمل رسالة حضارية تقول إن الرواية المصرية والعربية تمتلك من العمق والإبداع ما يؤهلها لتكون جزءًا من المشهد الأدبى العالمى.


واحة كليوباترا
ثورة يوليو ١٩٥٢ آثار عميقة للثورة «٣/٣»
عبدالهادي عباس يكتب: رسالة من «كوينز»!






