آثارها تمتد لمنطقة الشرق الأوسط.. العالم في مواجهة ساخنة مع «النينيو»

التطرف المناخي
التطرف المناخي


ندى‭ ‬البدوى

 

تتزايـد التحذيرات مـن دخـول العـالم مرحلـة جـديدة من التطرف المناخى، مع تكرار موجـات الحر والجفاف والفيضانات بوتيرة غير مسبوقة، واشتداد ظـاهرة النينيو التى تعيد تشكيل أنماط الطقس حــول العـالم. وبينمـا تشهـد القـارة الأوروبية أحد أكثر فصول الصيف قسوة فى تاريخها الحديث، مع تسجيل درجات حرارة قياسية أودت بحياة الآلاف، تتزايد المخاوف من استمرار موجات الحر خلال الأسابيع المقبلة، ورغم أن مصر ومنطقة الشرق الأوسط لا تقعان ضمن نطاق التأثير المباشر للظاهرة فإن تداعياتها إلى جانب آثار التغير المناخى تمتد إلى العديد من القطاعات، لتطال المناخ والموارد المائية والزراعة والأمن الغذائى والاقتصاد.

لا تعترف التغيرات المناخية بالحدود الجغرافية، فالظواهر الجوية التى تبدأ فى منطقة قد تمتد آثارهــا إلى مناطــق بعــيدة عــبر منظومة تُعرف بـالترابطات المناخــية، ورغـــم تفــاوت تأثيرات ظاهرة النينيو من إقليم إلى آخر وفقًا لطبيعة المناخ والموقع الجغرافى تؤكد تقارير المنظمة العالمــية للأرصـــاد الجــويــة (WMO) والإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوى (NOAA) أنهـا تسـهم فى زيــادة اضطـرابات الطقس عالميًا، وترفع احتمالات موجات الحر والجفاف والفيضانات. ولا تتـوقــف آثـار الظـاهرة عند حدود المناخ، بل تُترجم إلىتفاتورة اقتصادية باهظــةتبفعــل الضغــوط المــتزايدة على مخـتلف القطاعات الاقتصادية والتنموية.

ويوضح الدكتور على قطب أستاذ المناخ والبيئة بجامعة الزقازيق أن االنينيوب تُعد ظاهرة طبيعية دورية تنشـأ بسـبب ارتفـاع غير معـتاد فى درجـة حرارة سطح المياه فى المنطقة الاستوائية من المحيط الهادئ، نتيجة ضعف الرياح التجارية التى تدفع المياه السطحية الدافئة غربًا، ومع تراجع قوة هــذه الرياح تتراكـم المياه الدافئة فى وسط وشرق المحيط، مما يؤدى إلى زيادة معدلات التبخر وضخ كميات هائلة من بخار الماء إلى الغلاف الجوى، لينعكس ذلك بدوره على أنماط الضغط الجوى وحركة الرياح وتوزيع الأمطار حول العالم.

ويلفت إلى أن هذه الظاهرة تحدث مرة كل سنتين إلى سبع سنوات وقد تستمر من شهرين إلى ستة أشهر، بينما يزيد الاحترار العالمى من شدتها وتكرارية حدوثها. ويشير قطب إلى أن مصر بحكم وقوعها داخل حــوض البحــر المتوسـط تتـأثر بهــذه التغيرات بصــورة غــير مباشــرة، إذ يــؤدى ارتفاع حـرارة البحرين المتوسط والأحمر إلى زيادة معدلات التبخر والرطوبة، وتهيئة الأجواء لتكوّن السحب الركامية مع نهاية الصيف وبدايـة الخـريف، ممـا يرفــع فــرص سقوط أمطـار رعــدية عـلى بعض المناطق.

وتؤكد الدكتورة إيمان شاكر مدير مركز الاستشعار عن بعد بالهيئة العامة للأرصاد الجوية أن العالم يشهد هذا العام ما يعرف بـاالسوبر نينيوب وهى النسخة الأقوى من الظاهرة، التى تنعكس على متوسط درجات الحرارة فى نصف الكرة الشمالى، لافتة إلى أن مصر مازالت حتى الآن من الدول الأقل تأثرًا بالظاهرة، نتيجة تأثرها بمنخفض جوى فى طبقات الجو العليا ساهم فى تلطيف الأجواء نسبيًا، مقارنة بمــا شهدته أوروبــا من موجات حر تاريخية، أو دول الخليـج التى تجـاوزت فيها درجات الحرارة 50تدرجة مئوية.

وتشير إلى أن أحد أبرز انعكاسات النينيو يتمثل فى إعادة توزيع الأمطار حول العالم، سواء من حيث توقيت سقوطها أو كمياتها أو أماكن هطولها. وتتابع: شهدنا خلال السنوات الأخيرة ظواهر غير معتادة فى مصر بفعل التغير المناخى، من بينها سقوط أمطار خلال فصل الصيف على مناطق من القاهرة والإسكندرية، بعد أن كان الصيف تاريخيًا موسمًا شبه خالٍ من الأمطار، كما تشير التنبؤات الفصلية إلى استمرار فرص سقوط أمطار صيفية على جنوب مصر، خاصة مع تحرك الفاصل المدارى شمال السودان، وهو نمط تكرر خلال الأعوام الأخيرة وشهدت معه محافظات البحر الأحمر وأسوان والوادى الجديد أمطارًا وسيولًا خلال أشهر الصيف.

وتؤكد شاكر أن الهيئة العامة للأرصاد الجوية عــززت قـدراتها فـى رصــد الظـواهـــر الجــــوية المتطرفـة من خلال شبكة تضم أكثر من 103 محطات رصد، إضافة إلى رادارات الطقس وصور الأقمار الصناعية ومنظومة الإنذار المبكر، بما يسمح بمتابعة تطور السحب والعواصف والأمطار لحظيًا، وإرسال التحذيرات إلى الجهات المعنية لاتخاذ الإجراءات الوقائية وتقليل الخسائر.

تنعكس آثار ظاهرة النينيو بشكل كبير على قطاعات الزراعة والمياه والأمن الغذائى، كما يوضح الدكتور محمد على فهيم رئيس مركز معلومات تغير المناخ بمركز البحوث الزراعية، لافتًا إلى أن التأثير المتوقع على مصر لا يتمثل فى اختلال جذرى فى الطقس، وإنما فى ارتفاع درجات الحرارة وزيادة عدد الأيام شديدة الحرارة، خاصة خلال الصيف والخريف، وهو ما يتوافق مع الاتجاه العام الناتج عن التغير المناخى.

ويوضــح أن قطــاع الزراعـــة يعـــد مــن أكــثر القطاعــات الهشـــة، والتى تحـــتاج إلى التكـــيف بشكل كبير مع التغيرات المناخــيـة، خاصة فى منطـقتنا التى تعـــانى بالأســاس مــن محـدودية الموارد المائية، ويشير إلى أن محاصيل الحبوب وفى مقدمتها القمح والذرة، تعد الأكثر حساسية لموجــات الحـــر خــلال مرحلـتى التزهير وامتلاء الحــبوب، حــيث يمكــن لعــدة أيــام مـن الحــرارة المرتفعة أن تخفض الإنتاجية بصورة ملحوظة، كما تتأثر محاصيل الخضر والفاكهة كذلك.

ويــرى فهــيم أن الخطـر الأكـــبر لا يكمـــن فى التأثـيـــر المحلــى فـقـط، وإنمــا فــى اضطــراب الأسواق العالمية، فسنوات النينيو القوية غالبًا ما ترتبط بانخفاض إنتاج الحبوب والزيوت والسكر والأعلاف فى عدد من الدول المنتجة نتيجة الجفاف أو الفيضانات أو موجات الحر، مما يؤدى إلى تراجع المعروض العالمى وارتفاع الأسعار الدولية. ومع اعتماد مصر على استيراد جانب مهم من احتياجاتها من القمح والذرة والزيوت النباتية والأعلاف فإن أى ارتفاع فى الأسعار العالمية ينعكس مباشرة على فاتورة الواردات ويزيد تكلفة إنتاج الغذاء محليًا، مما يجعل تعزيز الإنتاج المحلى والتوسع فى التقاوى المقاومة للحرارة والجفاف وتحسين إدارة الموارد المائية من أهم أدوات التكيف مع هذه المتغيرات.

ويشير الدكتور علاء سرحان أستاذ الاقتصاد البيئى بجامعة عين شمس إلى تزايد التداعيات الاقتصادية المترتبة على موجات الحر والطقس المتطرف، والتى تلقى بظلالها بشكل كبير على عدد من القطاعات من بينها قطاع الطاقة، حيث ينعكس ارتفاع درجات الحرارة على زيادة الطلب على الكهرباء نتيجة الاعتماد المتزايد على أجهزة التكييف والتبريد فى المنازل والمنشآت التجارية والصناعية، لافتًا إلى أن زيادة الطلب لا تعنى فقط ارتفاع استهلاك الكهرباء لدى المواطنين، بل ترفع أيضًا تكلفة تشغيل محطات التوليد واستهلاك الغاز الطبيعى والوقود، وتزيد الضغوط على شبكات النقل والتوزيع، خاصة خلال ساعات الذروة، وفـى ظــل تراجــع إنتــاج الغــاز الطـبيعى محليًا، ترتفع الحاجــة إلى توفــير كميات إضافية من الوقود، وهو ما ينعكس على فاتورة الطاقة والموازنة العامة للدولة.

اقرأ  أيضا: أوروبا تحت وطأة «الحر التاريخي».. العلماء يدقون ناقوس الخطر