إنذارات غائبة وصيانة مهملة.. بيوت في مرمى «نار الصيف»

صورة موضوعية
صورة موضوعية


لم يكن فى الشقة ما يوحى بالخطر.. مائدة العشاء لم ترفع بعد وملابس الأطفال كانت معلقة على الحبل فى الشرفة، مجرد دقائق بسيطة فصلت بين حياة عادية هادئة، ونار التهمت كل شىء، والأسباب عديدة.. وفى هذا التحقيق نرصد أسباب الحرائق التى تطال البيوت خصوصًا فى فصل الصيف.

لا تبدأ حرائق المنازل دائمًا بشرارة كبيرة، بل فى أغلب الأحيان يكون سببها سلكًا كهربائيًا مهترئًا أدى إلى ماس مفاجئ، أو بوتجازا تُرك دون رقابة، أو حتى توصيلة كهربائية عشوائية أصبحت فى مهب الريح والمطر، لتتحول البيوت التى يفترض أن تكون أكثر الأماكن أمانًا إلى مصائد دخان ونيران، تحصد الأرواح وربما تترك ناجين طالتهم حروقا يصعب علاجها فيما بعد، وقد تتركهم أيضًا بلا مأوى أو أحلام فمستقبلهم بات دون ملامح.

ومع تزايد حرارة فصل الصيف وزيادة الضغط على شبكات الكهرباء أصبح خطر اشتعال الحرائق قريبًا بين لحظة وضحاها، خاصة أن الكثيرين يتعاملون مع  إنذارات الحريق وكأنها كماليات، ومع الصيانة باعتبارها عبئًا يمكن تأجيله، فضلًا عن التغاضى عن صيانة التكييفات الدورية، واستخدام وصلات كهربية غير آمنة مما يزيد من خطورة الوضع، حتى يأتى الحريق ليكشف عن هذا الإهمال.

ولا يكاد يمر يوم دون أن يشتعل حريق فى بقعة من بقاع مصر، لتمتلئ سجلات الحماية المدنية ببيانات لأم فقدت أبناءها فى دقائق، أو رب أسرة خرج طلبا للمساعدة فعاد ليجد كل شىء رمادا، وهناك أسر فُقدت بأكملها وأصبح لا وجود لها من الأساس. 

حوادث مختلفة

جاء حريق منشية ناصر الذى استمر لمدة سبع ساعات كاملة فى إحدى ورش النجارة بأحد العقارات، ليعيد الحديث عن مخاطر الحرائق داخل المناطق السكنية، وضرورة الالتزام باشتراطات السلامة، خاصة بعد أن زاد ضحايا الحريق ما بين متوفى ومصاب، وكان من بينهم اللواء محمد الشربينى مدير الإدارة العامة للحماية المدنية بالقاهرة، والنقيب عبد الرحمن العدوى، كذلك أحد أفراد الشرطة، وهو ما دفع محافظ القاهرة لتشكيل لجنة هندسية لفحص العقارات المتضررة، وتشكيل لجنة للوقوف على أسباب الحادث، وحجم خسائره النهائى.

ولم تكن هذه الحادثة الوحيدة التى سببت خسائر كبيرة ففى منطقة الفلكى بالإسكندرية نشب حريق كبير بأربعة محال تجارية فى بداية شهر يوليو، وامتدت آثاره إلى محتويات غرفتين بالدور الأول بالعقار السكنى أعلى المحال، وتمكنت قوات الحماية المدنية من السيطرة عليه دون وقوع أى إصابات، وتبين أن سبب الحريق كان ماسًا كهربيًا.

أما فى شارع مراد بالجيزة فقد شب حريق داخل شقتين متجاورتين بعقار مرتفع، ما أدى إلى وفاة سيدة تبلغ من العمر 70 عامًا، وإصابة أربعة أفراد من أسرتها بحالات اختناق، ولم يصل خطر الحريق عند هذا الحد بل أصاب ضابطا وأمين شرطة من قوات الحماية المدنية أثناء عملية الإطفاء.

وربما كان حريق منطقة شبرا الخيمة بالقليوبية أحد هذه الحوادث المروعة فقد اندلع حريق واسع داخل شقة سكنية، ما أدى إلى وفاة أسرة كاملة بينهم أطفال، وأقرت المعاينة المبدئية للحريق أن سبب الحريق كان بسبب شاحن موبايل قبل أن تتوسع النيران.

أما فى شارع بورسعيد بمنطقة طهطا بمحافظة سوهاج فقد شب حريق فى محل بالطابق الأرضى لعقار بشارع بورسعيد وامتد دخان النار إلى الشقق السكنية العليا مما تسبب فى احتجاز بعض السكان قبل تدخل الحماية المدنية. 

ماس كهربائى 

وفيما يتعلق بأبرز أسباب حرائق الشقق يقول أحمد مجاهد أحد أفراد الحماية المدنية إن أسباب حرائق الشقق تتعدد ومنها الماس الكهربى المفاجئ نتيجة وجود سلك عار لم يتم تصليحه والتأكد من سلامته، فضلا عن شواحن الموبايل التى تؤدى لحريق مفاجئ وانفجارات، لافتًا إلى أن البعض يهمل فى استخدام مواقد الغاز ويتركها مفتوحة وعادة ما تحدث أثناء نوم السكان أو انشغالهم، وقد يظن البعض أن الحرائق تزداد فى الصيف، لكن مجاهد يقول إنها تزيد فى فصل الشتاء نتيجة الاستخدام المفرط للدفايات الكهربائية أو أنابيب الغاز غير الآمنة، مؤكدًا أن غياب أجهزة إنذار الحريق يجعل الاكتشاف المبكر مستحيلًا.

الكود المصرى 

ومن جانبه يقول الدكتور حمدى عرفة أستاذ الإدارة المحلية والحكومية: هناك إهمال وتقاعس عن الالتزام بـ"الكود المصرى" للحماية من الحرائق، فضلًا عن قانون البناء الموحد المنظم، إذ إن الكثير من المقاولين والملاك لا يلتزمون بالرسومات الهندسية الموضحة لمخارج الطوارئ، ومسارات الهروب، فضلًا عن أنظمة الإنذار والمطافئ، مؤكدًا أنه لا بد من وجود مصادر مياه مستقلة مخصصة للإطفاء وخزانات حريق مستقلة إذا تطلب الأمر.

ويضيف عرفة: كما أن هناك إهمالا وتقاعسا عن تدريب موظفى الأمن الصناعى والسلامة المهنية عن احتواء الحرائق فى الوزارات والمحافظات، كذلك هناك فجوة كبيرة بين عدد مفتشى السلامة المهنية والسلامة والمنشآت الحكومية والخاصة مرجعًا ذلك إلى قانون العمل رقم 12 لسنة 2003، حيث أدى لخلل فى القدرة الرقابية لأجهزة التفتيش. 

ويضع عرفة روشتة لتقليل نسب الحرائق وذلك من خلال تركيب أجهزة إنذار الحريق ورشاشات مياه تعمل تلقائيًا، مع وجود مخارج طوارئ واضحة وسهل الوصول لها، فضلا عن تقديم وثيقة تأمين ضد الحريق عند الحاجة، وخضوع المبنى للمراجعة والمعاينة من الجهة الإدارية قبل إصدار الترخيص النهائى.

الإنذار الصوتى

وفى هذا السياق يؤكد المهندس التقنى طارق أحمد الذى يعمل بإحدى شركات بيع الأنظمة الوقائية أن أنظمة مكافحة الحرائق الذكية يتم تصميمها وتوزيعها وفق تقسيم غرف الشقة، وغالبًا ما تعتمد على نظام إنذار صوتى فقط دون الإطفاء التلقائى- وهى رشاشات تنطلق بصورة أوتوماتيكية عند اندلاع حريق - مع تزويد الشقة بطفايات يدوية، وعند سماع السكان للإنذار يمكنهم التدخل المبكر واستخدام الطفايات للسيطرة على أى حريق.

ويضيف أنه يمكن أيضًا تركيب نظام إطفاء تلقائى محدود ومغلق للمطبخ يُعرف بنظام "الهود"، وهو مخصص للتعامل السريع مع أى نيران قد تشتعل أعلى موقد البوتاجاز، وتصل تكلفته إلى نحو 150 ألف جنيه، حيث يتكون من غطاء مزود برشاشات مياه تعمل فور اندلاع الحريق.

ويوضح أن أنظمة الإطفاء المنزلية غالبًا ما تكون مزيجًا من حساسات الحرارة والدخان، إذ يتم تركيب حساسات الحرارة داخل المطبخ، بينما تُستخدم حساسات الدخان فى باقى غرف الشقة، مع ربط شبكة الإنذار بلوحة تحكم إلكترونية متطورة تتيح متابعة كفاءة الشبكة واكتشاف أى أعطال محتملة، وغالبًا ما يتم تثبيت هذه اللوحة بجوار لوحة الكهرباء الرئيسية.

ويشير إلى أن التكلفة المبدئية لهذا النظام تبلغ نحو 70 ألف جنيه للأنظمة الصينية، بينما تصل إلى حوالى 90 ألف جنيه للأنظمة الإنجليزية الصنع، حيث تبلغ تكلفة لوحة التحكم نحو 9 آلاف جنيه، بينما تتكلف الحساسات، والسرينة، والكاسر، والجرس نحو ألفى جنيه، فى حين تمثل باقى الشبكات الجزء الأكبر من التكلفة، ويتم تنفيذ عملية التركيب بالكامل خلال يومين فقط.

أوتو دايلر

ومن جانبه يقول طارق عبدالعزيز (مهندس متخصص فى الأمن الصناعى) إن الأنظمة الحديثة المخصصة للشقق السكنية تكون مزودة بنظام الاتصال الفورى الأوتو دايلر، الذى يتم ربطه برقم هاتف صاحب الشقة لإخطاره فور وقوع أى حريق إذا كان خارج المنزل وتبلغ تكلفة هذا النظام ٤٠ ألف جنيه. 

ويشير إلى أن تركيب حساسات الحرارة لاكتشاف الحرائق يُعد الخيار الأفضل داخل غرف المنزل، نظرًا لدقتها العالية مقارنة بحساسات الدخان، التى قد تتسبب فى توجيه إنذارات خاطئة عند تطاير الغبار أو فى حال تدخين السجائر بالقرب منها، ما قد يؤدى إلى إثارة الذعر دون وجود خطر حقيقى.

أنظمة أوتوماتيكية

فيما يوضح المهندس إسماعيل فريد الذى يعمل بإحدى شركات الأنظمة الذكية أن الشقق السكنية يمكن تأمينها من خلال تركيب شبكة مراقبة أوتوماتيكية، مهمتها إعطاء إنذار مبدئى فور حدوث أى حريق، ما يتيح سرعة التدخل قبل تفاقم الموقف. وهى تعتمد على أنظمة إطفاء تلقائى مزودة برشاشات مياه تعمل فور استشعار الحساسات لأى خلل أو ارتفاع غير طبيعى فى درجة الحرارة، وتصميمها يشمل خزان مياه مستقلا وطلمبات تضخ المياه إلى موقع النيران، وهى تعتبر من الأنظمة عالية التكلفة لذلك يفضل تطبيقها فى العمارات السكنية كنظام متكامل أو الكمباوندات وكذلك المصانع والمنشآت الضخمة.

اقرأ  أيضا: الحماية المدنية بالغربية تسيطر على حريق هائل نشب بشونة للكتان بسمنود