كان «عماد الدين» رجلاً طيبًا، عاش لسنوات طويلة يمد يده لمساعدة الشباب الذين ضلوا طريقهم في نفق الإدمان المظلم، في الماضي القريب انتصر عماد على سمومه القديمة، واختار أن يقضي بقية حياته في إنقاذ الآخرين، متسلحًا بصبره وشهامته التي شهد بها الجميع.
وفي ليلة الحادثة، ذهب لتلبية نداء استغاثة من أسرة استنجدت به لإنقاذ ابنها المدمن، وبكل هدوء وطيبة، وقف أمام باب غرفته محاولاً إقناعه بالعلاج، لكن الشاب باغت الجميع بفتح الباب ومعه سكين غادر، ليسدد طعنة في قلب عماد أنهت حياته في الحال.
رحل عماد وترك خلفه زوجة مكلومة وطفلاً رضيعًا ولد قبل الحادثة بأيام قليلة؛ صغير لن يرى أباه، لكنه سيكبر ليعرف أن والده كان بطلاً، عاش ينقذ الناس ومات وهو يؤدي رسالته الإنسانية النبيلة، أما عن التفاصيل فسنعرفها الآن فيما تبقى من سطور.
لم يكن «عماد الدين» (52 سنة) مجرد موظف عادي في مصحة نفسية لعلاج الإدمان بالإسكندرية؛ بل كان تجسيدًا لقصة إنسانية ملهمة، بدأت بفصول مظلمة في بئر الإدمان، وانتهت بملحمة تضحية من أجل إنقاذ الآخرين.
خاض عماد في شبابه تجربة الإدمان المريرة والاضطرابات المصاحبة لها، لكنه امتلك إرادة فولاذية قادته قبل أكثر من عشر سنوات إلى إحدى المصحات طالبًا العون قائلاً في تحدي: «أنا مدمن، ساعدوني حتى أتعافى وأعود لعقلي وأكون نافعًا لأسرتي».
تعافى عماد بالفعل، لم يغادر المصحة بل قرر العمل بها كـ «عامل» (عضو في فريق الدعم والنقل)، مكرسًا حياته لانتشال أبناء منطقته والمناطق المجاورة من سموم المخدرات والاكتئاب.
الساعات الأخيرة
كان عماد، السكندري المنتمي لأسرة ميسورة الحال، معروفًا بالشهامة وحسن الخلق وشخصيته المستقلة التي صقلتها التجارب.
تزوج ورزقه الله بطفل ولم يكن قد تجاوز عمره 38 يومًا وقت الحادثة.
لم يكن هذا الأب الشغوف يدرك أن الطريق الذي اختاره لإنقاذ الغرقى الذين سقطوا في بئر الإدمان سيكون ذاته الطريق الذي ينتهي بطعنة غادرة في قلبه تسلب روحه على يد مدمن.
في تمام السادسة من مساء يوم الحادث المشئوم، أجرى عماد اتصالاً هاتفيًا بزوجته «إيمان»، يخبرها بأن إدارة المصحة كلفته بمهمة ضمن «فرقة الشحن» (فريق نقل المرضى) لمرافقة حالة من منطقة «المندرة» بالإسكندرية ونقلها للمصحة لاستكمال العلاج.
طمأن زوجته ووعدها بالعودة سريعًا، وتحرك مع الفريق الذي زامله طوال ثماني سنوات، وأتم المهمة بنجاح. هاتف زوجته مجددًا ليؤكد لها وصوله بسلام وأنه في طريق العودة للمنزل، لكن القدر كان يخبئ له تكليفًا آخر استجابةً لاستغاثة عاجلة.
قبل أن يغادر المصحة بدقائق، تلقى اتصالاً جديدًا من الإدارة يفيد بوجود بلاغ عاجل من أسرة شاب مدمن في منطقة «سيدي بشر»، تستغيث لإنقاذ حياتهم وحياة ابنهم ونقله للمصحة.
لم يتردد عماد، وعاود الاتصال بزوجته معتذرًا عن التأخير ومؤكدًا أن المهمة الإنسانية الطارئة لن تستغرق وقتًا، بينما كانت الزوجة تترقبه بقلق وصغيرها بين يديها.
بث مباشر
انطلق عماد برفقة زميلين له وممرض نحو العنوان المحدد.
تبين أن العقار عبارة عن شقة «دوبلكس» من طابقين؛ تقيم الأسرة في الطابق الأرضي، بينما يتحصن الابن المدمن داخل غرفته بالطابق العلوي.
صعد عماد وفريقه وطرقوا الباب مرارًا محاولين إقناع الشاب بفتحه بهدوء، مستخدمين أسلوب التهدئة والمحاورة لتفادي أي صدام.
في لحظة مباغتة، فتح المتهم الباب، وبدلاً من الاستجابة، كان يحمل سكينًا حادًا سدده مباشرة وبقوة إلى قلب عماد، ليسقط الأخير غارقًا في دمائه وسط صدمة زملائه، ولم يكتفِ الجاني بفعلته، بل وثق الجريمة عبر بث فيديو مباشر على مواقع التواصل الاجتماعي، مدعيًا كذبًا أن الضحايا حاولوا الاعتداء عليه، وأنه قتل عماد دفاعًا عن النفس للتغطية على جريمته.
قلق على الزوج
ومع اقتراب عقارب الساعة من الحادية عشرة مساءً، تسلل الرعب إلى قلب الزوجة؛ فهاتف عماد مغلق على غير عادته.
سارعت بالاتصال بالمصحة، ليخبرها الموظفون بوقوع مشكلة أثناء تنفيذ المهمة وأن الفريق يتواجد في قسم الشرطة.
لم تمر سوى ساعات قليلة حتى تلقت الصدمة الكبرى من أحد أقاربها: زوجها الذي خرج لإنقاذ المدمنين بنقلهم مصحة الإدمان، عاد جثة هامدة.
تلقى قسم شرطة أول المنتزه بالإسكندرية بلاغًا بالواقعة، وبانتقال فريق البحث الجنائي ومناظرة الجثمان، تبين أن المجني عليه (في منتصف العقد السادس، قمحي اللون، متوسط الطول والوزن، يرتدي تيشيرت رمادي وبنطال جينز كحلي) أصيب بجرح طعني نافذ ومباشر في منتصف الصدر أودى بحياته فورًا.
ألقي القبض على المتهم، وبمواجهته أمام النيابة العامة أنكر تعمد القتل زاعمًا الدفاع عن النفس، إلا أن شهادة زملائه المرافقين وشهادة والدة المتهم نفسها دحضت ادعاءاته؛ حيث أكدت الأم أن نجلها مدمن ولديه دوافع عدوانية.
وطالبت زوجة المجني عليه بالقصاص العادل لزوجها وحق طفلها الرضيع الذي حرم من والده وعمره أيام. أمرت النيابة العامة بحبس المتهم وإحالته محبوسًا إلى محكمة الجنايات، وتحددت جلسة عاجلة هذا الشهر لنظر القضية.
عملية نقل المدمن
وهنا يعلق الدكتور إبراهيم مجدي، أستاذ الطب النفسي، على الواقعة موضحا؛ أن استقبال حالات الإدمان ينقسم إلى نوعين وهما الحجز الطوعي بقرار من المتعافي، والحجز الإلزامي الذي يطبق عندما يشكل المدمن خطرًا داهمًا على نفسه أو المحيطين به ويكون منكرًا لمرضه.
وأشار إلى أن القانون المصري للصحة النفسية يضع ضوابط صارمة لما يعرف بـ «الكشف الطبي المنزلي» أو «النقل الإلزامي» لحماية جميع الأطراف.
وعن الإجراءات المسبقة يقول الدكتور ابراهيم مجدي: تتطلب تقديمًا رسميًا بطلب مكتوب من الأقارب حتى الدرجة الثانية لمدير المصحة، وتشكيل لجنة رسمية بمأمورية موثقة تضم طبيبًا متخصصًا وممرضًا وفريقًا مدربًا.
ويتابع قائلًا: ينص القانون على ضرورة إبلاغ أقرب قسم شرطة، والمجلس الإقليمي للصحة النفسية قبل التحرك. وفي الحالات التي تتسم بالعنف الشديد والخطورة البالغة من المدمن، يجب أن تتم العملية بمرافقة قوة أمنية وتوافر سيارة إسعاف مجهزة طبيًا لتأمين الفريق المعالج وضمان السيطرة السلمية وتثبيت الحركة بالطرق الطبية المعتمدة.
قتل متعمد
من جانبه، فجر اللواء عبد الله سعد خليل المحامي مفاجأة قانونية حول تكييف القضية مؤكداً؛ أن ظاهر الأوراق قد يوحي للبعض بأنها جريمة «ضرب أفضى إلى موت»، إلا أن التدقيق العميق يثبت توافر أركان جناية القتل العمد مع سبق الإصرار.
فالجاني عقد العزم وبيت النية وحمل السلاح (السكين)، وانتظر خلف الباب، وسدد ضربة واحدة قاتلة في موضع قاتل (القلب) وهو يعلم تمامًا نتيجتها.
وأضاف المستشار عبدالله سعد؛ أن الجريمة تجاوزت القتل العمد لتصبح عقوبتها الإعدام وجوبًا، نظرًا لاقترانها بجناية أخرى؛ حيث أثبتت التحقيقات إحراز الجاني لمادة (الكوكايين) المخدرة بقصد التعاطي.
ووفقًا لنص المادة 234 فقرة 1 من قانون العقوبات المصري، فإن جناية القتل العمد إذا تقدمتها أو اقترنت بها أو تلتها جناية أخرى (وهي هنا حيازة وتعاطي المخدرات الشديدة الخطورة)، تتحول العقوبة تلقائيًا من السجن المؤبد أو المشدد إلى الإعدام شنقًا.
من المنتظر أن تشهد محكمة جنايات الاسكندرية أولى جلسات محاكمة المدمن القاتل هذا الشهر لتكون بداية اسدال الستار عن القضية التي انتهت حياة منقذ المدمنين على يد مدمن.
اقرأ أيضا: داخل مستشفى الصحة النفسية ببنها.. ماذا رصد المجلس القومي لحقوق الإنسان؟

حملات أمنية مكثفة على الطرق السريعة لضبط هواة الاستعراض بالسيارات والدراجات النارية
صرخة استغاثة وطعنة غادرة.. كـتبت النهاية لشاب أنقذ فتاة من متحرش
لسرقة محتويات شقته.. قتله وعاش مع جثته 50 يومًا






