الأسكندرية : محمد مجلي
أشد أنواع الغدر إيلامًًا هو ذلك الذي يأتي من يدٍ كنت تبسط لها كفيك بالأمان، وأبشع الجرائم هي أن تقتل قلبًا أواك ونفسًا أمنتكم.. مقولة تنطبق على أقرب الناس الذين تضع ثقتك الكاملة فيهم وتأمنهم على حياتك وكل ما تملك بعد ما أظهروه من وجه طيب يحمل خبثًا وفكرًا شيطانيًا يخطط ويدبر للانقضاض على فريسته طمعًا فيما يملك لكن العدالة الإلهية لا تترك هذا الغدار ينعم بغدره، حيث تنكشف مخططاته وينتهي تدبيره الشيطاني ويقع فى قبضة العدالة لينال جزاء ما صنعت يداه في الدنيا قبل أن يصعد لينال جزاءه فى الآخرة.
ففي أحد الأزقة الضيقة المتفرعة من «مساكن المياه» بشارع الزرافة التابع إلى حي القباري غرب الإسكندرية، شهدت واحدة من أبشع الجرائم المأساوية التي نالت من الإنسانية يعد أن تلقى الحاج فضل طعنة غدر قاتلة من أحد الأشخاص المقربين له والذي كان يقوم على خدمته ومساعدته بسبب عجزه فى مأساة إنسانية كُتبت فى صمت ونفذت فى خيال المتهم قبل الواقع لكن يد العدالة كانت له بالمرصاد.
كان الحاج فضل، المُسن القعيد، يبحث عن يد حانية تسنده، لكنه وجد طعنة الغدر من أقرب الناس إليه؛ عامل مأجور استأمنه على عجزه وجسده المشلول، فكان الجزاء طعنة قاتلة قبل أن يخفى المتهم الجثة لأكثر من ٥٠ يومًا ، في جريمة هزت حيًا بأكمله، لكن يد العدالة طالته وبعد أشهر من التحقيقات والدموع، أسدلت محكمة الدخيلة الستار رسميًا على القضية التي شغلت الرأي العام، لتقول العدالة كلمتها الفصل بمعاقبة المتهم «عبد الحميد ناجي» الشهير بـ «عبده الموس»، بالسجن المؤبد.
قسوة المرض
لم يرحم الزمان ضعف الرجل المُسن الذي تجاوز الـ ٧٠ من عمره، والذي كان يعيش بمفرده، حيث داهمه المرض وبقرار طبي صادم تكرر بتر إحدى ساقيه، فاستسلم لقرار الأطباء وبتر قدمه ليجد نفسه طريح الفراش، عاجزًا عن قضاء أقل حاجاته الطبيعية واليومية.
راح الحاج فضل – كما يطلقون عليه – يبحث عن وسيلة تعينه للاستعانة على قسوة العجز، فلم يجد سوى «عبده الموس»، عامل، عمره ٤١ ستة، ليضع ثقته فيه اذ أنه كان يتردد عليه بانتظام لقضاء ما يحتاج إليه وتلبية طلباته على أن يقدره من الناحية المالية ويدفع له نظير ما يقوم به من خدمات، لكن المجنى عليه لم يكن يعلم أنه فتح بابه لـ عقل شيطان في ثوب منقذ، لكنه لم يكن يتوقع أن العطف والإحسان سيكونان المسمار الأخير في نعشه.
استغل المتهم حالة العجز التي أصابت المُسن وظل يراقب ويتابع موقف أقاربه وزيارتهم له واقامته معه أحيانًا وراح يخطط ويدبر لتنفيذ مخططه وارتكاب جريمته النكراء التي إن صح تسميتها بـ»الغدر الخسيس».
القاتل النذل ارتكب جريمته دون رحمة أو هوادة، افتعل خلافًا وهميًا واعتبره دليله للخلاص من هذا المسن القعيد وسدد له طعنة نافذة وقوية في الصدر بلا رحمة أو وازع من دين أو إنسانية، باغت المتهم بطعنة نالت من حياته قبل أن بشعر بمرارة الصدمة وخيبة الأمل فى شخص وضع فيه كامل ثقته.
سقط المجنى عليه مغشيًا عليه، ولفظ أنفاسه الأخيرة في الحال دون أن يتمكن حتى من الصراخ أو الاستغاثة، ليموت عم فضل وحيدًا حزينًا ومقهورًا بغدر مَن ائتمنه على حياته، والذي تمنى لو عادت به الأيام للخلف لما ائتمنه ولا استعان به ليعينه على عجزه وقلة حيلته.
٥٠يومًا
بشاعة الجريمة النكراء لم تتوقف عند هذا الحد، إذ قام المتهم بسلوك عدواني وشيطاني، بسحب جثة المجنى عليه ووضعها أسفل سرير غرفة النوم، ثم أعاد ترتيب المرتبة والأغطية ليخفي معالم فعلته وعلى مدار ما يقرب من 50 يومًا، لم يهرب «عبده الموس»، بل استمر في التردد على الشقة والعيش فيها بشكل طبيعي بجوار الجثة التي بدأت تتحلل وذلك فى الوقت الذي قام فيه بتفكيك محتوياتها تدريجيًا لبيعها خردة وتدبير أموال للمخدرات التي يتعاطاها.
سرق المتهم الأجهزة الكهربائية، وبكل جرأة وأمام عيون الاهالي فك أثاث غرفة النوم التي تحوي الجثة وتحميلها على عربة نقل بزعم أن عم فضل سوف يقوم بتغييرها وشراء غيرها، وسرقة ملابس الرجل العجوز، وبكل خسة، فك حنفيات ومواسير المياه من الجدران لبيعها ببضعة جنيهات وأغلق باب الشقة وانصرف ظنًا أن جريمته لن تفضحه.
توالت الأيام والأسابيع مع اشتداد حرارة الطقس، انبعثت رائحة كريهة لا تطاق من جنبات الشقة، مما أثار ريبة الجيران في مساكن المياه بالقباري، والذين ابلغوا بدورهم الأجهزة الأمنية المعنية خاصة وأنهم يعلمون أن عم فضل يعيش بمفرده ويتردد عليه من وقت لآخر واحد من أقاربه وشاب يذهب اليه يوميًا لتلبية طلباته، باقتحام الشقة بواسطة القوات الأمنية المعنية بعد استئذان النيابة العامة، اكتشفوا وجود الجثة في حالة تعفن؛ إذ شكلت مباحث الإسكندرية فريق بحث، وفي غضون ساعات ألقي القبض على «عبده الموس» وبحوزته بعض المسروقات.
تم تقنين كافة الإجراءات القانونية اللازمة وأمام جهات التحقيق المعنية، انهار المتهم واعترف تفصيليًا بتفاصيل ارتكاب الجريمة واصطحبته القوات لتمثيل الجريمة وسط ذهول وغضب عارم من أهالي القباري الذين طالبوا بالقصاص العادل، قررت النيابة حبسه على ذمة التحقيق وإحالته إلى محكمة الجنايات بتهمة القتل العمد المقترن بالسرقة.
القصاص
وبعد أن تداولت القضية داخل محكمة الجنايات، أصدرت حكمها على المتهم « ع. ن.ع» الشهير ب « عبده الموس» بالسجن المؤبد وألزمته بالمصاريف الجنائية لاتهامه بقتل المجني عليه « ف. ال. ف» ويدعى فضل فى القضية المقيدة برقم 6837 لسنة 2026 جنايات قسم شرطة مينا البصل.
صدر الحكم برئاسة المستشار هاني رشدي مبارك، رئيس المحكمة وعضوية كل من المستشار محمود حمدي الليثي، والمستشار أحمد يوسف الفرارجي، والمستشار أحمد محمد عوض، وسكرتير المحكمة على حسين.
كانت مديرية أمن الإسكندرية ، تلقت إخطارًا من شرطة مينا البصل بالعثور على جثمان المجني عليه داخل شقته متوفي منذ أكثر من ٥٠ يومًا، فتحرر محضر بالواقعة وإخطار النيابة بالواقعة وإلقاء القبض على المتهم وتقديمه للمحاكمة، وعقب تداول القضية فى الجلسات أصدرت حكمها المتقدم.
اقرأ أيضا: أمن الإسكندرية يحل لغز العثور على جثة مسن مدفون بشرفة عقار

في لحظة جنون.. المدمن قتل عامل مصحة أثناء نقله للعلاج
حملات أمنية مكثفة على الطرق السريعة لضبط هواة الاستعراض بالسيارات والدراجات النارية
صرخة استغاثة وطعنة غادرة.. كـتبت النهاية لشاب أنقذ فتاة من متحرش






