رغم مرور أكثر من ستة عقود بين ثورة 23 يوليو 1952 وثورة 30 يونيو 2013 إلا أنهما لم تكتفيا بإحداث تغيير على المستوى السياسى فقط، بل سعتا إلى بناء دولة قوية تمتلك مؤسسات حديثة، واقتصاد قادر على دعم استقلال القرار الوطنى وتحقيق التنمية الشاملة،
بما يعكس استمرار هدف بناء الدولة الوطنية المصرية وحماية مقدراتها، فكلتا الثورتان ارتبطتا بمرحلة الإصلاح الاقتصادى، هدفت إلى إعادة بناء الاقتصاد المصرى فى ظل ظروف استثنائية، على الرغم من اختلاف الأدوات والسياسات من عصر إلى آخر، تشابهت الرؤية العامة فى اعتماد الدولة على برامج إصلاح شامل، وإطلاق مشروعات قومية كبرى، وتعزيز دورها فى قيادة التنمية، إلى جانب السعى لتحقيق الاستقرار الاقتصادى وتحسين مستوى معيشة المواطنين.
فبعد ثورة 23 يوليو 1952 تبنت الدولة المصرية برنامجًا واسعًا للإصلاح الاقتصادى بهدف إنهاء سيطرة كبار ملاك الأراضى والرأسمالية الأجنبية، وبناء اقتصاد وطنى يعتمد على دور الدولة، وكان أول وأبرز القرارات الاقتصادية هو إصدار قانون الإصلاح الزراعى فى سبتمبر 1952، الذى تضمن تحديد الحد الأقصى للملكية الزراعية، ومصادرة الأراضى الزائدة عن الحد الأقصى مقابل تعويض أصحابها، وتوزيع الأراضى على الفلاحين المعدمين وصغار المزارعين، وإنشاء جمعيات تعاونية زراعية لتوفير التمويل والبذور والأسمدة، وذلك من أجل تقليل التفاوت الاجتماعى، وتحسين مستوى معيشة الفلاحين، وزيادة الإنتاج الزراعى.
ثم جاء التوسع بالقطاع العام فى الخمسينيات والستينيات، حيث اتجهت الدولة إلى إنشاء مصانع جديدة فى الحديد والصلب، والغزل والنسيج، والأسمدة، والألومنيوم، وزيادة دور القطاع العام فى قيادة التنمية الصناعية، وتنفيذ خطط تنموية مركزية تعتمد على التخطيط الحكومى، وكان تأميم قناة السويس عام 1956 خطوة اقتصادية بارزة، حيث وفر للدولة موارد مالية مهمة بعد انسحاب تمويل السد العالى، ثم بلغت سياسة التأميم ذروتها عام 1961، لتشمل تأميم البنوك الكبرى وشركات التأمين، وتأميم عدد كبير من الشركات الصناعية والتجارية، ونقل ملكية قطاعات اقتصادية واسعة إلى الدولة.
كما ركزت الدولة بعد 23 يوليو على تنفيذ مشروعات ضخمة، أهمها بناء السد العالى، الذى ساهم فى تنظيم مياه النيل، والتوسع فى الرقعة الزراعية، وتوليد الكهرباء، والتوسع فى البنية الأساسية من طرق وموانئ وشبكات كهرباء، وارتبط الإصلاح الاقتصادى بإجراءات اجتماعية، مثل مجانية التعليم، والتوسع فى الرعاية الصحية، ودعم السلع الأساسية، وتوفير فرص عمل فى الجهاز الحكومى.
أما بعد ثورة 30 يونيو 2013 فتبنت الدولة برنامجًا للإصلاح الاقتصادى استهدف معالجة اختلالات تراكمت على مدار سنوات، مثل ارتفاع عجز الموازنة، وزيادة الدين العام، ونقص الاحتياطى من النقد الأجنبى، وتراجع الاستثمار والسياحة، حيث بدأت الحكومة تنفيذ برنامج إصلاح شامل بالتعاون مع صندوق النقد الدولى، وارتكز على عدة إجراءات، أبرزها تحرير سعر صرف الجنيه فى نوفمبر 2016، وتطبيق ضريبة القيمة المضافة بدلًا من ضريبة المبيعات، وإعادة هيكلة دعم الطاقة تدريجيًا، وإصلاح المالية العامة وخفض عجز الموازنة.
كما شهدت هذه الفترة تنفيذ عدد من المشروعات الكبرى، منها شبكة موسعة من الطرق والكبارى، وإنشاء مدن جديدة مثل العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين الجديدة، وتطوير الموانئ والمناطق اللوجستية، والتوسع فى مشروعات الكهرباء والطاقة، وتحقيق الاكتفاء الذاتى من الغاز الطبيعى لفترات بعد بدء إنتاج حقل ظهر، وإنشاء محطات كهرباء جديدة وزيادة القدرة الإنتاجية، والتوسع فى مشروعات الطاقة المتجددة، كما اتخذت الحكومة عدة إجراءات لتحسين مناخ الاستثمار، منها إصدار قانون استثمار جديد، وتبسيط بعض الإجراءات أمام المستثمرين، والتوسع فى المناطق الصناعية والمناطق الاقتصادية، وتزامن الإصلاح الاقتصادى مع توسيع بعض برامج الدعم، مثل برنامج تكافل وكرامة، وزيادة مخصصات التموين فى بعض الفترات، ومبادرات لدعم الفئات الأكثر احتياجًا والرعاية الصحية.
من جانبه، أكد د. وليد جاب الله الخبير الاقتصادى وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع أن الهدف الاقتصادى الأساسى لثورة 23 يوليو 1952 كان إضفاء بُعد اجتماعى للرأسمالية المتوحشة، التى كانت مسيطرة على الاقتصاد المصرى، والتى وإن كانت قد حققت نجاحات رقمية، إلا أن السواد الأعظم من المواطنين لم تصله ثمار تلك التنمية، التى استأثرت بها قلة من المواطنين والأجانب، بينما يُعانى الشعب من الفقر والجهل والمرض.
من جانبه، قال د. خالد الشافعى رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية أن الإصلاح الاقتصادى، الذى أعقب 23 يوليو عام 1952 يتشابه مع نظيره، والذى تلا ثورة 30 يونيو عام 2013 فى عدة محاور جوهرية تعكس فلسفة تدخل الدولة كقاطرة رئيسية للتنمية، ففى كلتا الفترتين تحملت مؤسسات الدولة والقطاع العام مسؤولية قيادة المشروعات القومية الكبرى لإعادة بناء البنية التحتية وتحفيز النمو الاقتصادى فى وقت تراجع فيه دور رأس المال الخاص المحلى والأجنبى، وقد شهدت حقبة يوليو بناء السد العالى وتأسيس المجمعات الصناعية الضخمة، بينما شهدت حقبة ما بعد 30 يونيو إطلاق مشروعات عملاقة مشابهة من حيث الحجم والتأثير، مثل العاصمة الإدارية الجديدة، وشبكة الطرق القومية، وازدواج الممر الملاحى لقناة السويس، وتوسعة الرقعة الزراعية.

وضعت أسس الجمهورية الحديثة وبناء الدولة الوطنية| ٧٤ عاما على ثورة شعب هزم الاستعمار
الخبراء فى الشئون الاستراتيجية: اســـــــــتعادة القـــــــرار الوطنــــــى وبنــــــاء جيــــــش قــــــوى حديــــــــث
السياسة الخارجية ثابتة| الانفتاح على الجميع.. ورفض الاستقطاب






