على الوسائد فى ملايين الغرف حول العالم تدور معارك كل صباح، لا تسمع فيها صوت بندقية، ولا دوى قنبلة، بل تتجلى فى اللحظة التى تمتد فيها يدك لتؤجل رنين المنبه استجداءً لبضع دقائق أخرى من الغياب.
حين يفتح الإنسان عينيه فى الصباح، لا يخشى الضوء بقدر خوفه من مواجهة بروتوكول يومى، يتربص بلحظات سكينته، ولذا كانت متعة الكثيرين فى النوم، ربما لأنه الساحة الوحيدة التى يسقط فيها التكليف البشرى ونحن على قيد الحياة.
أرى أن عدم الرغبة فى الاستيقاظ، احتجاج صامت يعلنه الإنسان ضد شروط الوجود «بكامل الحواس»، بروتينه الممل، وهمومه المتجددة، وعلاقات نتجاوز سخافاتها بكلفة نفسية ثقيلة، ولذا فمن المنطقى أن يرفض الإنسان تخليه عن الوسادة بسهولة.
فى النوم.. تتكسر قوانين الفيزياء، ولا نخشى لدغ عقارب الزمن، وقد يتحقق حلم اللقاء بمَن غابوا، ونحقق انتصارات مستحيلة، وفيه أيضًا قد نعود إلى براءتنا الدافئة، ولذا أوقن بأنه ليس احتياجًا جسديًا فحسب، بل عُملة «حصرية» لشراء الحرية من تكاليف اليقظة.
وبتأمل رغبة بقاء الإنسان فى الفراش، أشعر بأنها شهادة على عمق وعيه بثُقل الوجود فى هذا العالم، فكان النوم رحمًا بديلًا نرمم به انكساراتنا وهزائم تحتاج أحلامًا لتُنسى أو نتناسها.
لكن المفارقة الغريبة أن هذه المتعة لا تكتمل إلا بمرارة الاستيقاظ، فلولا كد النهار ما كان للنوم متعة!
منذ القدم.. ذكر الفلاسفة وجه الشبه بين النوم والموت، وفى مجموعة الخرافات، التى آمن بها اليونانيون القدماء «الميثولوجيا الإغريقية»، كان «هيبنوس» إله النوم شقيقًا لـ «ثاناتوس» إله الموت.
أما فى كتالوج الإسلام، فالنوم مُقنَّن بتوزيع ساعاته وفق نمط بيولوجى صحى، إذ يحث على النوم المبكر بالليل، وأخذ استراحة «قيلولة» فى الظهيرة ثم معاركة الحياة بأسلحة اليقين بأن الله لن يضيع صبرنا على ما يؤلم، وأنه سيلطف بنا لطفًا عظيمًا ينسينا كل ما لاقيناه من أوجاع الحياة فى الصحو والمنام.


الدولة والدستور والملكية العامة
جلال الأزهر.. «الإمام الطيب» وثورة يناير «2»
Gen Z .. جيل لم يرَ العاصفة!






