إنهــا مصـــــــر

رهانات عبد الناصر والسادات

كرم جبر
كرم جبر


من الظلم أن نحكم على زعيمى ثورة يوليو، عبد الناصر والسادات، بمعايير الحاضر، كل حقبة تاريخية لها تحدياتها، وكل زعيم له رؤيته التى فرضتها ظروف عصره، والتقييم العادل يتطلب فهم السياق لا فرض رؤيتنا.


وحين رفع الرئيس جمال عبد الناصر شعار العروبة، لم يكن مخطئًا، بل يعبّر عن حلم آمنت به أجيال كاملة، ورأت فيه طريقًا للتحرر، وبناء قوة عربية قادرة على الدفاع عن الأمة العربية، ولم يكن تمسكه بالقضايا العربية - وفى مقدمتها فلسطين - شعارًا سياسيًا، بل مشروعًا متكاملًا، إيمانًا بأن قوة مصر لا تنفصل عن محيطها العربى.


لكن الأحلام الكبيرة كثيرًا ما تصطدم بأحداثٍ كارثية، فجاءت هزيمة يونيو لتكشف أن الشعارات وحدها لا تصنع النصر، وتشير بعض التسجيلات التاريخية المُسربة منذ عام، والمنسوبة لعبد الناصر أنه أدرك، فى سنواته الأخيرة، أن بناء القوة الوطنية هو الأساس، وأن الزعامة لا تُصنع بالهتافات والشعارات، بل بما تملكه الدولة من قدرة على الإنجاز والدفاع عن مصالحها.


وقرأ الرئيس السادات المشهد من زاوية مختلفة، ورأى أن الأولوية المُطلقة هى استعادة الأرض المحتلة، وأن انتظار الإجماع العربى لن يحرر شبرًا من سيناء، فاتخذ قرار الحرب وحقق النصر، ثم انتقل إلى مسار التفاوض، حتى استعادت مصر كامل ترابها الوطنى. 


كثير ممن هاجموا السادات، واتهموه بالخروج على الصف العربى بعد توقيع اتفاقية السلام، يسيرون فى نفس طريق السادات، وفقًا لحساباتهم الوطنية، وهو ما يؤكد أن السياسة لا تعرف الثوابت الجامدة، وتحكمها المصالح وموازين القوى.


وأثبتت العقود الماضية أن قوة العرب ليست فى الشعارات الحماسية، بل فى قوة دولهم الوطنية، فالدولة الضعيفة لا تستطيع حماية نفسها، والدولة القوية هى ركيزة الاستقرار الإقليمى، ومن هنا فالحفاظ على قوة مصر ليس مصلحة مصرية فحسب، بل يعد عنصرًا مهمًا فى توازن المنطقة بأسرها.


ويمرض الحلم العربى من قسوة الطعنات التى تلقاها، فى الدول التى انهارت، وفقدت هويتها الوطنية، ومزقتها الحروب والصراعات والتنظيمات الإرهابية المسلحة، وانزلقت إلى مواجهاتٍ عمّقت الاستقطاب، وألقت بظلالها الثقيلة على أمن المنطقة واستقرارها. 


التاريخ لا يُكتب بالأبيض والأسود فقط، ولا ينصف من يحاكم الزعماء خارج سياق زمانهم، فعبدالناصر راهن على وحدة العرب كمشروع يستحق التضحية، والسادات كانت رهاناته على الحرب والسلام، وكلاهما اجتهد وفق رؤيته، وترك بصمة لا يمكن تجاوزها فى التاريخ المصرى والعربى.


والدرس الأهم أن الأوطان لا تُبنى بالأمنيات، ولا تُحمى بالشعارات، وإنما بالقوة والعمل والاقتصاد والمؤسسات والإرادة الوطنية، وعندما تكون مصر قوية، فإن أثر قوتها يتجاوز حدودها، لأنها كانت وستظل، أهم الركائز الأساسية لاستقرار محيطها العربى.