رثاء

بابا.. أنا مش موافق!

وائل الملاح
وائل الملاح


بعد رحيل والدى منذ أيام أتعجب كيف استمرت الحياة «على الأقل إلى الآن».

لم أكن أتخيل أن الحياة سوف تستمر بعد هذه اللحظة، توقعت أن تتوقف كل مظاهر الحياة، لا أعلم ما العلاقة تحديدا، ولكن هكذا تخيلتها، استمرت ولم تبالِ! وكيف سأحكى له عن أخبارى الآن وأقلب دماغه؟ كيف سأشكو له من الواد ابنى وعمايله؟.

خدعتنى الحياة واستمرت، متجاهلة ما حدث!، كما أننى فى أحيان أخرى أضبط نفسى متلبسا بالضحك! «كيف لازلت أملك هذه القدرة!»، ربما لأن والدى كان يميل للبساطة خصوصا فى التعامل مع المواقف الصعبة، لو علم شخصيا بما حدث لكان ابتسم قائلا: «طب وإيه يعنى يا أخي، ولا يهمك» كان يهون الأمور ولعله هو السر فى أن يتعلق به نفسيا كل من يتحدث إليه خصوصا فى الأمور الشخصية. عندما خانته صحته وباغته المرض، كان يعلم خطورة الموقف ومع ذلك كلما لمح القلق فى عينى يهون علي: «ما تقلقش يا أخي.. هيحصل إيه يعني؟».

«صباح الخير».. كان يتعمد استخدامها فى أى وقت على مدار اليوم ليبدأ بها مكالمتنا الهاتفية، حتى صارت شفرة بيننا تنم عن تفاصيل صديقين، صديقى هى الصفة الأهم التى أفتقدها مع رحيله، كان أى موقف يمر بى لا يكتمل إلا عندما أحكى له عنه، أعلم أنه كان يتمنى الشفاء ليس من أجل نفسه، بل من أجلي، من أجل أن يريحنى من مشاوير العلاج معه، كان مع كل مشوار للمستشفى يعلق «معلش يا حبيبى بتعبك معايا»، حتى أننى سمعته يحدث صديقا له هاتفيا بصوته الذى أصبح ضعيفا فى الأيام الأخيرة ويشكو له، ليس من المرض، بل لشعوره بأنه يتعبنى معه فى رحلة علاجه، واستنتجت رد صديقه عندما قال له والدي: «لا، يعنى بنخلفهم عشان نطلع عينيهم!».

تعجل والدى فى الرحيل، بالرغم من جرعات التفاؤل التى كنا نتناولها خلال رحلة العلاج، حتى إنه كان يعاتبنى لإقحامه فى هذه الرحلة والتى قد تعرقل الطريق للنهاية، ربما لأنه بطبعه لا يطيق الانتظار، نتفق على أن أمر عليه فى الخامسة، لنذهب سويا إلى مشوار، يقف فى الشباك ينتظرنى من الرابعة وفى الرابعة والنصف ينزل لينتظرنى فى الشارع!

عندما اشتد عليه المرض فى أواخر أيامه سألني: «أنا ليه حصل معايا كدة؟» لم أجبه وقتها إلا بإشارة تعنى «قضاء ربنا»، ولكن الإجابة كنت أعرفها بوضوح، ما يحدث لم يكن هو المقصود به بقدر ما كنت أنا المقصود، مجرد تعاطف من القدر فى توصيل الرسالة لى بالتدريج، كان الخبر يتسلل إلى برفق يوما بعد يوم، وكانت تسدل الستار بالتصوير البطيء، تأهيل جعلنى أرى كل حدث قبل أن أعيشه.

وكأى صديق وفى لا أتذكر أنه تسبب فى حزنى يوما، كما اعتاد على أن يسألنى عن رأيى فى أغلب أموره، ولكن ها هو اليوم قد جاء الذى حزنت فيه بسبب والدي، وأقدم على فعل دون أن يأخذ رأيى فيه «طيب يا بابا معلش بقي، أنا مش موافق».