تساؤلات

«شارع الكلاب»

أحمد عباس
أحمد عباس


أحب الكلاب جدا وأراها أوفى كثيرا من كل المخلوقات بما فيها البشر، وكنت لسنوات أصطحب واحدا منها

الولد لم يتجاوز عمره عشر سنوات، طفل وحيد لأسرة هادئة، مؤخرا نصحوا أباه بأن يعلمه نزول الشارع وحده ليختلط بالخلق ويعرف كيف يتعامل فى البيع والشراء والحديث وتبادل الحوار، ذلك انه كان يعانى تعتعة ما أثناء محاولة الكلام، فبدأ أبواه تنفيذ النصيحة على مهل فاستعانا به فى شراء حاجيات المنزل البسيطة من البقال المجاور، انتشى الولد جدا وتحسنت حالته وانضبطت مخارج حروفه وألفاظه تدريجيًا وصار معروفا لدى الباعة فى المنطقة، لا شيء عليه سوى الخروج من العمارة وعبور الشارع الجانبى الهادئ والتمهل رويدا فى الجزيرة الوسطى ليراقب السيارات الآتية فى الاتجاه المعاكس ثم العبور الى البقال وشراء ما يلزم والعودة مرة أخرى وكذلك كان الامر يجري، الى ان تحولت الجزيرة الوسطى الى مرتع لكلاب الشوارع تستظل بأشجارها فى الصيف، تباعا بدأ الناس فى اطعامها من بواقى أطعمة البيوت ثم تحولت البواقى هذه إلى الأطعمة التى فسدت، ثم علت نبرة الحقوقية الحيوانية وراح الناس يضعون للكلاب كل ما هو أنسجة حية لم تُطه أو تلمس النار، فصارت رائحة هذه الجزيرة الوسطى عفنة جدا ولا يطيق أحد لا رائحتها أو وجودها أصلا، فاعتادت كلاب المنطقة والمناطق المجاورة الراحة فلا تسعى لرزق أو تنقيب عن طعام.
أما الطفل المذكور فبينما كان يعبر فى مرة قريبة لقضاء حاجة للبيت فوجئ بهجوم شرس عليه من سرب من الكلاب ولما حاول الفرار صدمته سيارة مسرعة، نجاه الله بلطفه والحمد لله، لكن خلعا ما أصاب فخذه واضطر للتمدد فى فراشه شهورا.
الحالة نفسها تكررت مع رجل فى العمارة المجاورة بلغ سن المعاش قبل خمس عشرة سنة، ينزل فى المساء بناء على نصيحة الأطباء ليتجول حول المساكن لئلا يتخشب جسده وتزيد خشونته فى هذه السن المتقدمة، لكن ما حدث مع ذلك الطفل سبب له خوفا مرضيا من تكرار المشهد معه بينما هو لا حول له ولا قوة، فتوقف عن تنفيذ نصيحة الأطباء وساءت حالته جدا وصار يطلب المساعدة كلما تطلبت الأمور نزوله أو صعوده ولم يعد يتحرك الا محمولا على كرسى متحرك يجره حارس العقار.
الطامة الكبرى لما اتصلت سيدة مسنة بالصيدلية المجاورة لشراء علاجها الأسبوعى وطلبت توصيل الدواء لباب منزلها، ولما أملت على محدثها عنوان البناية سألها بأدب: تقصدين شارع الكلاب يا مدام؟، واعتذر: عفوا عامل التوصيل لا يدخل هذا الشارع أبدًا.
أحب الكلاب جدا وأراها أوفى كثيرا من كل المخلوقات بما فيها البشر، وكنت لسنوات أصطحب واحدا منها، لكن المسألة صار يستحيل التعامل معها او احتواؤها ولا أفهم لماذا أصبحت كلاب الشوارع بكل هذه الشراسة!
الخبراء يقولون بأن تغيرا حادا أصاب سلوك الكلاب فلم تعد ترعى بين المناطق بحثا عن طعام وباتت كسولة جدا تنتظر ما يجود به الناس فى كل ليلة أيا كان نوعه وجنسه.
فى ليلة قريبة استيقظ سكان الشارع على صوت احدى السيدات بينما كانت تصيح فى الخواء وتسب شخصًا لم أتبينه فى الظلام، ثم رويدا بدا انه عجوزا من احدى الشرفات كان ينهاها عن وضع «رجول الدجاج» النيئة فى هذه الجزيرة الوسطى الملعونة، ونعتته بأبشع الاوصاف وشتمته بأحط الشتائم لما اضطر لتصويرها وقال إنها بهذا السلوك تساهم فى «تشريس» هذه الكلاب فنال العجوز من السيدة ما ناله.
زرت من البلدان أكثرها وأقمت فى بعضها لفترات والحق اننى لم ار كلابا بالشوارع أو قططا وفى المناطق النائية البعيدة كنت احيانا ألمح خنازير تسير فرادى، لكن أين؟ بالقطع بعيدا جدا عن المناطق السكنية.
لست أدعو لتسميم مثلا معاذ الله فهذا فعل سادى لا أحبه ولا اعرف مدى قدرة الجهات المسئولة عن تعقيم كل هذا القدر من اسراب الكلاب، لكن كل ما افكر به هو: ماذا اذا توقفنا عن وضع هذا الطعام فى امكنة محددة للكلاب ودفعناها لممارسة سلوكها الطبيعى فى البحث واللهث خلف لقمة العيش، هل تعود الى سلوكها الطبيعي؟!
لا أغضب أبدًا من رؤية الكلاب ذلك ان رؤيتها أليفة إلى ولا ازعل من كثرتها ولا افكر كثيرا فيما يتوجب ان يحدث بعد هذا الكلام، لكنى مازلت أفكر فى سؤال صاحب الصيدلية وماذا كان يقصد لما قال: شارع الكلاب!