فى أحد حواراته طرح الفيلسوف الفرنسى ميشيل فوكو فكرة عن نوعٍ آخر من المجهولية، مقترحًا على الكُتَّاب عامًا بلا أسماء.
الاثنين:
قبل سنوات، استمعت إلى كلمة الشاعر الصينى تشاو لى هونغ فى افتتاح مهرجان شنغهاى الدولى للشعر، حيث استرجع ذكريات سنواته الشاقة فى جزيرة «تشونغ مينغ»، خلال فترة الثورة الثقافية؛ إذ كان ضمن الشباب المتعلمين الذين أُرسِلوا إلى الريف لإعادة تأهيلهم على يد الفلاحين الفقراء، بدلًا من الالتحاق بالجامعات. وقد اختارت له الأقدار العمل فى ريف تشونغ مينغ؛ مسقط رأس والده، حيث تكالب عليه الإنهاك البدني، والحرمان من الكتب ووسائل التثقيف، لكن تلك كانت نعمة مخفية فى هيئة نقمة؛ إذ مثَّلت بدايته الحقيقية مع عوالم الخيال.
حكى تشاو لى عن ارتباطه بنهر اليانغتسي، وكيف اعتبر وجوده عند مصبِّه عزاءً يُلهيه عن أى مشاق. فقد تخيَّل أن النهر خيط يصله بكل شعرائه وكتَّابه المفضلين ممن عاشوا مثله فى مناطق يمر بها أطول أنهار الصين.
ما لفت انتباهى فى كلمته أنه كان يتحدث بدرجة عالية من الرضا والتصالح مع تجربة مُضنية. سألت نفسى يومها: إلى أى حد يمكن للناجين من هولٍ ما أن يتفحصوه بنظرة فلسفية موضوعية؟ هل الزمن كفيل بتحقيق هذا؟ أم أن هناك مَن لا يحتاجون إلى مسافة زمنية، ويخترعون العزاءات وهم فى خضم التجارب المؤلمة؟ عزوتُ تصالحه هذا، فى البداية، إلى نزعة رواقية محتملة، لكننى سرعان ما خمَّنت أنه مُستقى، فى الغالب، من الفلسفة الطاوية الصينية؛ وتذكرتُ مقولة بروس لى المستلهمة بدورها من تعاليم الطاو: «كن ماءً يا صديقي، كن ماءً!»، فالماء فى الطاوية هو منتهى الحكمة، إذ ينساب ويتدفق ويتكيف عبر تغيير مساره كى لا يصطدم بالعوائق فيتجاوزها. وعبر اللين والمرونة والمثابرة يفتت أصلب الصخور. فهو المثال الأبلغ على التناغم مع الطبيعة وعدم مقاومتها.
وفى هذا يقول الفيلسوف الصينى لاو تسى فى كتاب الطاو (ترجمة د. محسن الفرجاني): «العاقل من يسلك، مسلك حياته كمسيل نهر جارٍ؛ فهو -كالماء- مطواع، لا يتحرَّش ولا يأبه بقصد القاصد خيرًا أو شرًا «…» فالخير لمن اتخذ لنفسه مكانًا راسخًا، كأنه قطرة ماء فى جوف بحرٍ ساكن».
يروقنى تخيل أن تشاو لى هونغ، فى جلوسه على ضفة اليانغتسي، قد تعلم من النهر المرونة والانسياب، وعدم الاستسلام للمعوقات والصعوبات.
محبة القدر
الثلاثاء:
تتشابه الفلسفة الرواقية مع الطاوية فى بعض الجوانب، وتختلف فى أخرى؛ فبينما تهدف الرواقية إلى ضبط الذات وتهذيبها، وتطرح تساؤل: «ما الذى يمكننى التحكم به؟» معتبرة أن الانشغال بما لا نملك السيطرة عليه، ليس من الحكمة، تسعى الطاوية إلى الانسجام مع مجرى الوجود، وتتساءل: «لماذا نسعى إلى السيطرة من الأساس؟» وهو ما يذكرنا بالمقولة الطاوية الشهيرة: «لا تقلق، كل شيء خارج السيطرة!».
ومع ذلك، وعلى عكس ما قد يتوهمه البعض، لا تدعو هذه الرؤى إلى السلبية والاستسلام، بقدر ما تحث على المضى قدمًا رغم المعوقات، والتعلم من كل تجربة، وعدم السماح لأى ظرف بأن يسلبنا سلامنا الداخلي. وقد مضى نيتشه خطوة أبعد بتبنيه مفهوم «محبة القدر» الداعى إلى احتضان أقدارنا بكل ما تحمله، إيمانًا منه بأن الألم والخسارة والإخفاق، هى أجزاء جوهرية منا وعوامل أساسية فى تشكيل هويتنا.
الكتابة للفراغ
الأربعاء:
هل يمكن لكاتب أن يكتب للفراغ؟ أن يستمر، على مدار عقود، فى تأليف كتاب تلو الآخر بلغة دولة أعماله ممنوعة فيها؟ قد يبدو هذا الأمر مستبعدًا، لكنه ما حدث بالفعل مع الكاتب المجرى البارز شاندور ماراى (1900 - 1989)؛ فقد عاش منفيًا عن وطنه المجر بعد تحول نظام الحكم فيه إلى الشيوعية، وحُظِرت كتبه هناك، ومع ذلك واصل الكتابة بلغته الأم. ورغم إجادته التامة للإنجليزية وقدرته على الإبداع بها، رفض ذلك مبررًا موقفه بأنه لا يرغب فى تفصيل كتابته على مقاس ذائقة أجنبية تبحث عما يشبع فضولها تجاه مجتمعات ما خلف الستار الحديدي. وفضَّل عوضًا عن ذلك أن يكتب انطلاقًا من انشغالاته الخاصة ورؤاه الفنية، مدركًا أنه يكتب للا أحد تقريبًا، ومتقبلًا دفع ثمن ذلك بالبقاء فى طى النسيان، وهو ما حدث فعليًا، إلى أن أعيد اكتشاف ماراى بمصادفة بحتة على يد الناشر والمثقف الموسوعى الإيطالية روبرتو كالاسو بعد قرابة عقدين على انتحار مارى فى سان دييغو بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1989. بعدها تُرجِمَت أعماله إلى عشرات اللغات، ونجحت نجاحًا كبيرًا، لا سيما روايتاه «كازانوفا فى بولزانو»، و»جمرات».
عام بلا أسماء
الخميس:
فى أحد حواراته طرح الفيلسوف الفرنسى ميشيل فوكو فكرة عن نوعٍ آخر من المجهولية، مقترحًا على الكُتَّاب عامًا بلا أسماء: «لعامٍ واحد، ستُنشَر كل الكتب بلا أسماء مؤلفيها. وسيتعين على النقاد حينذاك تدبر انتقاد نص مجهول الصاحب. لكنى أشك أن أى ناقد منهم سيكون لديه ما يقوله، كل المؤلفين سينتظرون حتى العام الذى يليه لنشر كتبهم». أراد فوكو بجملته الأخيرة الإشارة إلى أن أحدًا من الكتاب لن يقبل بنشر عمل لا يحمل اسمه، إذ سيكون الفعل عبثيًا فى نظرهم.
لكن فى حالات أخرى، ينشر بعض الكُتَّاب أعمالهم بأسماء مستعارة، وهو تقليد شائع تتنوع أسبابه من كاتب لآخر. فهناك من يلجأ لذلك لأسباب سياسية أو اجتماعية، وهناك من يفعله لإثبات وجهة نظر معينة. ومن هذا النوع الأخير حائزة نوبل دوريس ليسينج، التى نشرت روايتين باسم مستعار هو: جين سومرز؛ رغبة منها فى تسليط الضوء على خفايا آلة النشر، والآليات التى تحكم المراجعات النقدية، حيث يميل الناشرون والنقاد للاحتفاء بالأسماء الشهيرة، بينما لا يولون الكُتَّاب الجدد الاهتمام ذاته.
هذا ما أثبتته تجربة دوريس ليسينج عندما أرسلت الكتابين إلى ناشرَيها الأساسيين عبر وكيل أدبي، منسوبين إلى جين سومرز التى لم يسمع بها أحد من قبل، فقد رفض الناشران الكتابين، والأهم من ذلك أنهما لم يتعرفا على أسلوب ليسينج. الروايتان هما «مذكرات جارة طيبة» و»إنّ العجوز استطاعت» اللتان لم تنالا اهتمامًا يُذكر حين نُشِرتا باسم جين سومرز، وقد أعادت الكاتبة نشرهما لاحقًا باسمها بعد أن برهنت على أن معظم القراء، بل ودور النشر والنقاد لا يحكمون على النصوص بناءً على قيمتها الذاتية، وإنما انطلاقًا من شهرة كاتبها ومكانته فى المشهد الأدبي. ويكفى أن يمتدح شخص مكرَّس كتابًا أو كاتبًا ما، حتى يتبعه مئات القراء مرددين تنويعات على الرأى نفسه. وكأن الكُتَّاب قد تحولوا إلى علامات تجارية، يكفى فيها الاسم وحده، ولا عزاء لمن لم تترسخ أسماؤهم بعد.
إعلانات متحركة
الجمعة:
فى كتابه «المصطنع والاصطناع» يرى الفيلسوف الفرنسى جان بودريار أن «ما نعيشه اليوم هو ابتلاع نمط الإعلان لكل أنماط التعبير الافتراضية، فكل الأشكال الثقافية الأصيلة، وكل الكلمات المحدد مبتلعة فى هذا النمط لأنه بلا عمق وفورى وسريع النسيان. إنه انتصار الشكل السطحي، الحد الأدنى المشترك لكل مدلول، درجة صفر فى المعنى، انتصار تراجع معنى كل الصور المجازية. إنه أدنى شكل لطاقة الرمز».
لم يعاصر بودريار سطوة مواقع التواصل الاجتماعي، ولا عصر «المؤثرين» الذين حولوا كل شيء إلى سلعة، بما فى ذلك ذواتهم وحياتهم الشخصية، حيث يتسابقون فى كشف أدق خصوصياتهم سعيًا لرفع نسب المشاهدات. كم نحن اليوم فى حاجة إلى أمثال بودريار لتشريح هذه المستجدات، فى ظل تحول الكثيرين إلى إعلانات ناطقة ومتحركة!


عن دموعك يا أبى!!
أجمل ما فى هذا الوطن
«عشان» إنتِ مصر





