« الأخبار » تكشـــف الوجــــــــــــــه المظلم للسوشيال ميديا

.. والأطفال فى مرمى الخطر

منصات التواصل الاجتماعى
منصات التواصل الاجتماعى


لم تعد منصات التواصل الاجتماعى مجرد أدوات للترفيه أو البحث عن تكوين الصداقات، أو توثيق الذكريات الاجتماعية والشخصية، أو حتى التسويق للمشروعات والإنجازات الذاتية، بل توحشت تلك المنصات لتتحول إلى أدوات لصناعة الوعى أو فى معظم الأحوال تزييفه، يتبادل عبرها مليارات البشر المعلومات والآراء بمعزل عن ضوابط القيم، الاعتبارات المهنية، ويصنعون على صفحاتها عالمًا موازيًا بات يتحكم فى العالم الواقعي، ويشكلون تصوراتنا عن أنفسنا وعن أوطاننا ويصيغون بشكل متزايد رؤيتنا للعالم.

ولم تعد المناقشات الدائرة اليوم حول تراجع القيم وانحراف السلوكيات عبر منصات التواصل الاجتماعى مجرد وعظ إرشادى أو ترف فكري، بل تحولت مع تعاظم تأثير منصات التواصل وتحولها إلى المصدر الأول للمعلومات والآراء لدى قطاعات واسعة من المستخدمين، إلى قضية أمن قومى حيوية تمس المناعة الاجتماعية للدولة، فى وقت يعيش فيه العالم حالة انفجار رقمى غير مسبوق.

ولا يعد المجتمع المصرى استثناء من تلك الحالة الى يعيشها العالم، فالأرقام الرسمية الصادرة حديثًا لعام 2026 تكشف حجم التغلغل المرعب لهذه المنصات فى النسيج الاجتماعى المصري، فوفقًا لآخر تقرير صادر عن الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات، قفز عدد مستخدمى الإنترنت عبر الهاتف المحمول فى مصر ليصل إلى 92.6  مليون مستخدم.

الصدمة الكبرى تكمن فى مؤشرات استخدام المنصات، حيث يسجل قطاع «منصات التواصل الاجتماعي» وحده نحو 54.3  مليون مستخدم نشط، يتصفحون تلك المواقع بمعدل زيارات يومى يبلغ 25.2  مليار زيارة يوميًا، بنسبة نمو بلغت 5 فى المئة مقارنة بالعام الماضي. 

وطبقًا لتقرير مركز معلومات مجلس الوزراء، فإن  43.4  فى المئة من إجمالى سكان مصر يمتلكون حسابات نشطة على هذه الشبكات، يتصدرها «فيسبوك» بـ 51.6  مليون مستخدم، يليه «يوتيوب» بـ 49.3  مليون، ثم «تيك توك» بـ 48.8 مليون مستخدم  من الفئات العمرية فوق 18 عامًا.

هذه الكثافة العددية، التى يقضى فيها المواطن ساعات طويلة خلف الشاشات، تعنى أن الفضاء الافتراضى أصبح الشريك الأول - بل والأقوى - فى صياغة عقول ومبادئ أكثر من نصف المجتمع.

وللأسف، فى ظل غياب آليات التنظيم، تحولت تلك المنصات من أدوات للتواصل إلى معاول هدم ناعمة استهدفت البنية القيمية للشخصية المصرية، مسببة تشوهات سلوكية واضحة، فتحول هوس المكاسب المادية السريعة عبر خوارزميات المشاهدات إلى مبرر لانتهاك الخصوصية الأسرية، وتقديم محتويات خادشة للحياء.

وتراجعت «الشهامة والمروءة» المصرية أمام موجات التنمر الجماعى والتشهير الإلكتروني، حيث تتيح الشاشات للشخصيات الوهمية ممارسة اغتيال معنوى ممنهج للأفراد دون رادع كاف.

كما باتت المنصات تمنح صكوك الشهرة المجانية للجهلاء والمحرضين، مما خلق رموزًا زائفة تقود مجتمع الشباب، فى مقابل انزواء النخب الفكرية والعلمية.. هذا فضلاً عما أحدثته تلك المنصات من حالة خطيرة للاغتراب الأسرى داخل البيت الواحد، فبات أبناء الأسرة الواحدة يعيشون داخل المنازل وكأنهم فى جزر معزولة، مما أفقد الأسرة دورها التقليدى كحاضنة أولى للتنشئة والتقويم الأخلاقي.

«الأخبار» تبدأ بهذا الملف سلسلة من التحقيقات والتقارير تسليط الضوء على كثير مما أحدثته منصات التواصل الاجتماعي، التى باتت أدوات للانقسام واختراق الخصوصية وتزييف الوعي، لتكشف عن قرب وبتجارب عملية واستطلاع لرأى الخبراء والمتخصصين، الوجه المظلم للسوشيال ميديا.
 

الخبراء: الخوارزميات لم تعد تدير المحتوى فقط بل تربى أبناءنا.. الخصوصية الرقمية أول ضحايا أجيال التكنولوجيا

أساتذة الاجتماع: الأسرة تخلّت عن دورها التربوى وتركت أبناءها للسوشيال ميديا

لم يعد الحديث عن الفجوات بين الأجيال مقصورًا على اختلاف الأذواق فى الموسيقى أو الملابس، بل تحول الأمر إلى تحول بيولوجى واجتماعى تقوده التكنولوجيا بسرعة لا تستوعبها الكتب المدرسية، فنحن نعيش لحظة تاريخية فارقة يتسلم فيها البشر الشعلة من جيل إلى آخر، ليس عبر الوراثة التقليدية، بل عبر «الوراثة الرقمية». فى رحلة استقصائية لاستشراف مستقبل الجنس البشري، ترصد «الأخبار» ماذا حدث للمصريين، وكيف تحولنا من جيل «زد» (Generation Z) الذى فتح عينيه على العالم ليجد الإنترنت واقعًا ملموسًا، مرورًا بأطفال «ألفا» الذين يعتبرون الشاشات امتدادًا لأصابعهم، وصولاً إلى الجيل القادم «بيتا» الذى يُتوقع أن يندمج جسديًا مع الذكاء الاصطناعي..وهل نحن أمام أجيال واعية أم مجنيّ عليها رقميًا؟

تتوزع الأجيال الحديثة بين جيل الطفرة السكانية، وجيل X ( هو الجيل الذى تكون سنوات ميلاده محصورة بين «1965-1979/80»)، وجيل Y( هو الجيل الذى تكون سنوات ميلادهِ محصورة بين «1981-1994/6)، وصولًا إلى جيل Z..وتعود نظرية الأجيال إلى عالم الاجتماع الألمانى كارل مانهايم، والفيلسوف الإسبانى خوسيه أورتيجا، وكلاهما تحدث عن الأجيال فى عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي.

ولكن دعونا نبدأ الحكاية من جيل «زد» (مواليد 1997 - 2012)، وهم من يُطلق عليهم لقب «المواطنين الرقميين الأصليين». هؤلاء الشباب الذين يملؤون الجامعات ومواقع العمل اليوم لا يستخدمون الإنترنت، بل يعيشون بداخله؛ إذ تكشف الإحصائيات الرسمية واقعاً رقمياً مذهلاً، حيث يمتلك 98% من أبناء هذا الجيل هواتف ذكية يعتبرونها «العضو السادس» فى أجسادهم، وتشير بيانات مراكز الأبحاث العالمية مثل «بيو» (Pew Research) إلى أن هؤلاء الشباب يقضون متوسط 8 ساعات يومياً متصلين بالشبكة العنكبوتية، بل إن 55% منهم يستخدمون هواتفهم بشكل نشط لأكثر من 5 ساعات يومياً، مفضلين التواصل المرئى السريع عبر «تيك توك» و»إنستجرام» ومتقنين لفن «تعدد المهام الرقمية» ببراعة تفوق قدرة آبائهم بمراحل.

وبينما لا يزال العالم يحاول فهم «شفرة» جيل زد، داهمنا جيل جديد أكثر انغماساً، وهو جيل «ألفا» (مواليد 2013 - 2024)، الجيل الذى يُعرف بـ «أطفال الآيباد» أو جيل اللمس. هؤلاء هم أبناء جيل الألفية، والذين يشكل الذكاء الاصطناعى جزءاً من طفولتهم المبكرة؛ فهم لا يتعلمون عبر السبورة والطباشير، بل عبر «التعلم باللعب» (Gamified Learning) فى منصات مثل «Roblox». والأمر المثير للدهشة والقلق معاً هو ما كشفته الإحصائيات بأن أكثر من 40% من أطفال هذا الجيل بدأوا التعامل مع الأجهزة اللوحية قبل سن السادسة، وهم يتحدثون مع المساعدات الصوتية مثل «أليكسا» و«سيري» بطلاقة وكأنهم أفراد من العائلة.

الجيل الهجين

ولأن قطار التكنولوجيا لا يتوقف، فإن الأنظار تتجه الآن بترقب وحذر نحو المستقبل القريب جداً، وتحديداً نحو جيل «بيتا» (Generation Beta)، وهم المواليد المتوقع قدومهم فى الفترة من (2025 - 2039). هذا الجيل لن يكون مجرد مستخدم للتكنولوجيا، بل يُتوقع أن يكون «جيلاً هجيناً» يعتمد كلياً على الذكاء الاصطناعى التوليدي، وسيشهد ذروة دمج التكنولوجيا فى الأجسام البشرية (Bio-technology). يتنبأ الخبراء بأن يعيش هذا الجيل فى عالم من «الحوسبة المكانية» والواقع المختلط، حيث تتلاشى الشاشات التقليدية ليحل محلها التفاعل المباشر مع البيانات فى الهواء، وسيكون التعامل مع الروبوتات كزملاء دراسة أو مساعدين شخصيين أمراً روتينياً. وتشير التقديرات الديموغرافية إلى أن جيل «بيتا» سيكون الأكثر تعليماً والأطول عمراً فى التاريخ البشري، بفضل التطور الطبى المدعوم بالذكاء الاصطناعي.

نحن إذن أمام مشهد معقد، ننتقل فيه من جيل يبحث عن المعلومة، إلى جيل يصنع عوالمه الافتراضية، انتظاراً لجيل قد تصبح فيه التكنولوجيا جزءاً من حمضه النووي،فمن «المواطن الرقمي» الذى يقضى ثلث عمره على الإنترنت.. إلى «جيل اللمس» الذى يحاور الروبوتات.. وصولاً إلى «بيتا» الذى سيعيش أطول أعمار التاريخ ..ليبقى السؤال الأهم الذى يطرحه هذا التحقيق: هل نحن مستعدون اجتماعياً ونفسياً لتربية هذه الأجيال، أم أن الخوارزميات ستكون هى المربى الأول فى المستقبل؟

للإجابة على هذه الأسئلة، سألنا الدكتور وليد حجاج خبير أمن المعلومات ومستشار الأمن السيبرانى ومكافحة الجرائم الإلكترونية، هل الخوارزميات تربى أبنائنا؟ ،ليجيب بأنه لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة نستخدمها بل أصبحت بيئة نعيش بداخلها فى المجتمع المصرى ،حدثت «الثورة الكبيرة» ليس فقط بدخول الإنترنت بل بتحول الإنترنت إلى طرف ثالث فى عملية التربية وتشكيل القيم فعندما ننظر إلى أجيال Z وAlpha والقادمين Beta فنحن لا نتحدث عن فوارق عمرية بل عن فوارق تقنية فى استقبال ومعالجة البيانات ،ويضيف حجاج تحولنا الى الثورة الكبيرة أو الانتقال من التلقى إلى الانغماس الرقمي.

فعلى سبيل هناك جيل Z المواطنون الرقميون الذين شهدوا انتقال العالم من الأوفلاين إلى الأونلاين حيث التكنولوجيا بالنسبة لهم أداة للتواصل وإثبات الذات وهناك جيل Alpha جيل الشاشات الزجاجية الذين ولدوا والآيباد فى أيديهم وبالنسبة لهم العالم الواقعى والعالم الافتراضى مدمجان Hybrid Reality. وأخيراً «جيل Beta جيل الذكاء الاصطناعى وهو الجيل القادم الذى لن يبحث عن المعلومة بل سيجد الذكاء الاصطناعى يتنبأ بها ويقدمها له قبل أن يطلبها مما سيؤدى الى التأثير التقنى على الأخلاقيات ،وأكد حجاج أن التكنولوجيا فرضت مبدأ «السرعة والوفرة» علما ان القيم التقليدية (كالصبر و الخصوصيةوالتحقق من الخبر تتعارض برمجياً مع بنية منصات التواصل الاجتماعى التى تقوم على الإشباع الفورى Instant Gratification والانتشار السريع Virality بغض النظر عن الدقة وسرعة نقل الخبر أكثر من دقته،ويأتى هنا السؤال الأهم الذى وجهته»الأخبار» لخبير أمن المعلومات..هل هم جيل واع أم مجنى عليه رقميا؟ وما هى جدلية الخوارزميات؟!

من منظور علمى أجاب حجاج أن هذا الجيل يقع فى منطقة رمادية بين الوعى الفائق والوقوع ضحية لتصميمات التطبيقاتApp Design،حيث أن الشركات التقنية لا تبيع منتجات بل تبيع انتباه المستخدمين لذا تم تصميم التطبيقات باستخدام علم النفس السلوكى لاستغلال ثغرات فى العقل البشرى مثل حلقات الدوبامين Dopamine Loops عبر التنبيهات والتمرير اللانهائى فى تيك توك وريلز مما يبرمج العقل المصرى الشاب على تشتت الانتباه وعدم القدرة على التركيز يضاف إلى ذلك غرف الصدىEcho Chambersحيث تعرض الخوارزميات للمستخدم ما يحب فقط مما يعزز التطرف فى الرأى ويقلل من قبول الآخر وفى المقابل وعلى الجانب الواعى المتمثل فى محو الأمية الرقمية يمتلك هذا الجيل تكنولوجياً أدوات لم يمتلكها غيره مثل القدرة على الوصول للمعلومة لحظيا Access to Informationمما يعد كسر احتكار المعلومة فلم يعد المصدر الوحيد هو التلفزيون الحكومى أو الأسرة بل العالم كله مفتوح وأصبحوا جيلًا مهندسًا سلوكيًاBehaviorally Engineered بواسطة خوارزميات مصممة لإبقائهم داخل التطبيق لأطول فترة ممكنة مما يؤثر على سلوكهم الواقعى ويظهر جليًا هنا دور التربية الأسرية فى عصر المربى الرقمى Digital Nanny.

جزر منعزلة

وأضاف حجاج أن التكنولوجيا ساهمت فى ظهور معتقدات مستجدة على البيت المصري، بعد اختراقها الجدران الرقمية وتحول المنزل إلى جزر منعزلةDigital Silos ،ففى السابق كانت الأسرة المصرية تجتمع حول شاشة واحدةوهى التلفزيون ،أما الآن فقد تفتتت هذه الشاشة إلى شاشات فرديةوالنتيجة هى غياب الرقابة الأبوية المركزية فالقيم تأتى الآن مباشرة من صانع محتوى فى قارة أخرى إلى عقل الطفل المصرى دون فلترالأسرة لتفرض العولمة عبر المحتوى، فالخوارزميات لا تعترف بالحدود الجغرافية.

واختتم حجاج أن الجيل الجديد يتبنى مصطلحات Slang وقيم وسلوكيات لأنها التريندTrending ومن الناحية التقنية الخوارزمية تفضل المحتوى المثير للجدل أو الغريب لأنه يجلب تفاعل أكبر Engagementمما يجعل السلوكيات الشاذة تبدو وكأنها هى السائدة أو الطبيعية للطفل ومع دخول أدوات الذكاء الاصطناعى AI والتزييف العميق Deepfakesينشأ جيل Beta و Alpha فى بيئة لا يمكن فيها الوثوق بالصوت أو الصورة مما يخلق سلوكيات تتسم بالشك الدائم أو السخرية من كل شيء كوسيلة دفاعية.

بيئة رقمية

ويلتقط منه طرف الحديث د. شاكر الجمل، استشارى أمن المعلومات والذكاء الاصطناعي، والذى أشار أن الفروق بين أجيال Z وألفا وبيتا لا تتعلق فقط بطريقة استخدام التكنولوجيا، بل تمتد إلى تشكيل الوعى والسلوك ونمط التفكير، موضحًا أن كل جيل نشأ داخل بيئة رقمية أكثر تعقيدًا وتسارعًا من الجيل السابق.

وأشار الجمل إلى أن جيل Z يُعد حلقة الوصل بين العالمين الواقعى والرقمي، حيث تعامل مع التكنولوجيا كأداة أساسية للتواصل والعمل والتعلم، لكنه لا يزال يحتفظ بقدر من المهارات الاجتماعية التقليدية، بينما نشأ جيل ألفا داخل عالم تحكمه الشاشات والإنترنت منذ الطفولة المبكرة، ما انعكس على قدراته المعرفية وسرعة التعلم، وفى المقابل أثار تحديات تتعلق بالتركيز والانتباه والاعتماد المفرط على الأجهزة الذكية.

وأضاف استشارى أمن المعلومات أن جيل بيتا يمثل تحولًا غير مسبوق، كونه أول جيل يولد فى عصر الذكاء الاصطناعى التوليدي، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعى مجرد أداة مساعدة، بل شريكًا يوميًا فى التعليم واتخاذ القرار، محذرًا من أن هذا الدمج العميق يفرض تحديات خطيرة تتعلق بـالخصوصية الرقمية، وأمن البيانات، وتشكيل الهوية الفكرية للأطفال.

وأوضح الجمل أن غياب التوعية الرقمية والحوكمة التقنية قد يؤدى إلى فجوة معرفية، مشددًا على ضرورة إعادة صياغة المناهج التعليمية لتشمل مفاهيم الأمن السيبراني، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، والتفكير النقدي، بدلًا من الاكتفاء بالاستخدام الاستهلاكى للتكنولوجيا.

واختتم حديثه بالتأكيد على أن التكنولوجيا ليست خطرًا فى حد ذاتها، وإنما طريقة توظيفها، داعيًا إلى دور تكاملى بين الأسرة، والمؤسسات التعليمية، والدولة، لضمان تنشئة أجيال قادرة على التعامل الآمن والواعى مع العالم الرقمي، لا أن تكون أسيرة له.

تجريف الهوية

وعلى الجانب الآخر أكدت الدكتورة عزة فتحي، أستاذ علم الاجتماع، أن الأسرة المصرية تراجعت بشكل واضح عن دورها الأساسى فى تربية الأبناء، نتيجة الانشغال بلقمة العيش وضغوط الحياة اليومية، وهو ما فتح الباب واسعًا أمام منصات التواصل الاجتماعى لتقوم بدور «المربى البديل»، مشيرة إلى أن المؤثرين أصبحوا المرجعية الأولى للشباب والأطفال بدلًا من الأسرة والمدرسة.

وأضافت فتحى أن جيل Z جيل «مظلوم وظالم» فى آن واحد؛ فهو الأكثر تعليمًا وتأهيلًا لسوق العمل، والأفضل حظًا فى الوظائف مقارنة بأجيال سابقة، لكنه فى الوقت ذاته يعتمد بشكل شبه كامل على السوشيال ميديا فى تفاصيل حياته اليومية، من التسوق والطعام إلى تكوين الرأى واتخاذ القرار، ويميل إلى البراغماتية والسعى وراء المصلحة الشخصية والسرعة فى كل شيء.

وأشارت أستاذ علم الاجتماع إلى أن من أبرز سلبيات هذا الجيل تراجع احترام الكبار نسبيًا، والتفوه بألفاظ غير منضبطة، والحصول على الحقوق باللسان لا بالفعل، فضلًا عن أن انتماءاته باتت عالمية أكثر منها محلية، ما انعكس على نظرته للزواج والرابطة الأسرية التى لم تعد تحظى بالقدسية السابقة، مؤكدة أن تغير المعايير الاجتماعية مسؤولية تشاركية تتحمل الأسرة جانبًا كبيرًا منها.

وشددت فتحى على أن غياب دور المدرسة وتراجع تأثير الأسرة والمؤسسات الدينية أسهم فى تفاقم الأزمة، لافتة إلى أن المجتمع المصرى شهد منذ سبعينيات القرن الماضى عملية «تجريف» تدريجية للشخصية والهوية، تركت الأجيال الجديدة عرضة للتيه، خاصة مع تعاظم تأثير السوشيال ميديا وتقنيات الذكاء الاصطناعي.

تركيبة نفسية

فيما أكدت الدكتورة نيفين حسنى، استشارى علم النفس الرقمى وعضو الهيئة الاستشارية العليا لتكنولوجيا المعلومات، أن الهاتف الذكى لم يعد مجرد وسيلة اتصال، بل تحول إلى ما يشبه «عضوًا خارجيًا» التحم بالجهاز العصبى للإنسان المعاصر، مشيرة إلى أننا لا نشهد تغيرًا سلوكيًا عابرًا، وإنما تحولًا عميقًا ومتسارعًا فى طريقة عمل الدماغ البشري، بتأثيرات نفسية تمتد من الإدمان إلى القلق والاكتئاب.

وأوضحت حسنى أن التكنولوجيا غيّرت التركيبة النفسية لجيلَى Z وألفا بشكل جذرى مقارنة بالأجيال السابقة، مؤكدة أن الفارق لم يعد فى الاهتمامات أو أنماط الترفيه، بل فى «الأسلاك العصبية» ذاتها، حيث تكيفت أدمغتهم - وفق مفهوم المرونة العصبية - مع التدفق الهائل والمستمر للمعلومات، ما منحهم سرعة فى معالجة البيانات البصرية، لكنه جاء على حساب العمق المعرفى والقدرة على الصبر.

وأضافت أن أدمغة الأجيال الجديدة أصبحت مبرمجة على الإشباع الفوري، وهو ما خلق حالة دائمة من التأهب النفسى وعدم القدرة على الاسترخاء الحقيقي، على عكس الأجيال السابقة التى كانت تفصل ذهنيًا بانتهاء العمل أو الدراسة، بينما يعيش الجيل الحالى فى حالة اتصال نفسى دائم حتى أثناء النوم.

وأشارت استشارى علم النفس الرقمى إلى أن الإدمان الرقمى لم يعد مرضًا مستقلًا، بل عرضًا لمشكلات أعمق، لافتة إلى أنه غالبًا ما يكون آلية هروب نفسى من فراغ عاطفى أو ضغوط أسرية وتعليمية، حيث تحولت الشاشة إلى ما وصفته بـ«اللهاية الرقمية»، تمنح شعورًا زائفًا بالسيطرة والراحة المؤقتة.

وشددت حسنى على أن تصميم منصات التواصل لا يمكن فصله عن الأزمة، موضحة أن التطبيقات مصممة هندسيًا لاستغلال نقاط الضعف النفسية لدى الإنسان، عبر آليات شبيهة بالمقامرة، ما يخلق مزيجًا خطيرًا بين الهروب النفسى والوقوع فى فخ إدمانى مدروس. وأضافت أن الخوارزميات لا تكتفى بعرض المحتوى، بل تعيد تشكيل صورة الذات، فتدفع المراهق إلى بناء «ذات رقمية منسقة» تقوم على الإعجابات والمشاهدات، لا على الهوية الحقيقية، ما يولد فجوة نفسية مؤلمة بين الواقع والصورة الرقمية، وينتهى بتدنى تقدير الذات والشعور الدائم بالنقص.

وحذرت حسنى من أخطر الظواهر النفسية التى ظهرت مؤخرًا، وهى «الانفصال العاطفى الحضوري»، حيث يوجد الطفل أو المراهق جسديًا مع أسرته لكنه غائب شعوريًا، فاقدًا القدرة على قراءة لغة الجسد ونبرة الصوت والتعاطف المباشر، لينشأ جيل قد يكون الأكثر اتصالًا تقنيًا، لكنه الأكثر وحدة إنسانيًا.

وأضافت أن تراجع القدرة على الصبر والتركيز أصبح سمة واضحة، نتيجة ما وصفته بـ«دماغ التيك توك»، حيث انخفض مدى الانتباه بسبب الاعتياد على المحتوى القصير، وأصبح أى جهد ذهنى ممتد  مثل القراءة  عبئًا مؤلمًا للدماغ، مؤكدة أن المسؤولية مشتركة بين شركات التكنولوجيا، والأسرة، والمؤسسات التعليمية.

وقدمت ثلاث نصائح أساسية للأسرة: بناء الترابط قبل الرقابة، وتحديد مساحات وأوقات خالية من الشاشات، وأن يكون الوالدان قدوة حقيقية، مشددة على أن حماية إنسانية الأبناء باتت ضرورة ملحة قبل أن تتحول إلى مجرد بيانات داخل خوارزمية.

تعلم رقمى

أما الدكتورة محبات أبو عميرة، أستاذ المناهج التربوية بجامعة عين شمس، أن القول بأن المناهج التعليمية الحالية لا تواكب العصر الرقمى يحتاج إلى تحليل علمى دقيق، موضحة أن مناهج تراعى التحول الرقمى موجودة بالفعل فى مراحل تعليمية مختلفة، وأن الحكم بعدم مواكبة المناهج للتكنولوجيا دون إجراء تحليل بيانات لمحتواها (Data Analysis) يُعد حكمًا غير منصف علميًا.

وأضافت أن التكنولوجيا باتت ضرورة لا غنى عنها فى الحصول على المعلومات، والتواصل، وتوظيف الذكاء الاصطناعى فى التعليم، لكنها تتحول إلى خطر حين يُساء استخدامها، لافتة إلى أن الاعتماد على الحلول الجاهزة، خاصة فى مواد مثل الرياضيات، يقتل التفكير ويشجع على الحفظ دون فهم، سواء لدى جيل Z أو جيل ألفا.

وشددت أستاذ المناهج التربوية على ضرورة الجمع بين التعلم الرقمى والكتاب الورقي، موضحة أن هذا النموذج مطبق بالفعل فى العديد من دول العالم، حيث يتكامل استخدام التكنولوجيا مع الورقة والقلم بدلًا من إقصاء أحدهما لصالح الآخر.

وأكدت أبو عميرة أن المسؤولية لا تقع على عاتق النظام التعليمى أو الأجيال الجديدة وحدها، مشيرة إلى أن كثيرًا من الطلاب باتوا لا يحبون المدرسة نتيجة ترسخ ثقافة أنها «لا تعلّم»، فضلًا عن وجود فجوة متزايدة بين الطالب والمدرسة بسبب اعتماد بعض المعلمين على الدروس الخصوصية كمصدر أساسى للشرح.

وأضافت أن التعلم الرقمى أصبح مطلبًا أساسيًا فى جميع مؤسسات الدولة، لكنه يحتاج إلى ضوابط واضحة، خاصة مع جيل ألفا، الذى يجب أن يبتعد عن الحفظ والتلقين، ويتجه إلى التعلم التفاعلى عبر الفيديوهات والوسائط الرقمية المتنوعة، مع تنمية مهارات البحث الذاتى عن المعلومة وتوظيف الذكاء الاصطناعى بشكل واعٍ فى الدراسة.

واختتمت حديثها بالتأكيد على أهمية استعادة المدرسة لدورها التربوى فى ظل اختلاف الأجيال وتعاظم دور التكنولوجيا، محذرة من هيمنة الهاتف المحمول على وعى الطالب أكثر من المدرسة.

من خصم إلى حليف

كما أكد الدكتور محمود عبد اللطيف، أستاذ الإعلام بجامعة الزقازيق، أن وعى الشباب لم يعد يتشكل داخل إطار واحد مغلق، مشيرًا إلى أن الأسرة ما زالت تمثل النواة الأولى لغرس القيم، لكنها لم تعد اللاعب الوحيد فى معادلة التأثير، بعدما اقتحم المؤثرون الرقميون المشهد بقوة، وأصبح تأثيرهم فى كثير من الأحيان يفوق تأثير الآباء، بفضل قربهم اللغوى من الأجيال الجديدة وسرعة وصولهم إلى عقولهم.

وأوضح عبد اللطيف أن المشكلة لا تكمن فى وجود المؤثرين الرقميين فى حد ذاته، بل فى غياب دور تربوى إعلامى موازٍ يحقق التوازن المطلوب، لافتًا إلى أن المحتوى الرقمى السائد بات يستهلك العقول أكثر مما يغذيها، حيث يعتمد على السرعة والإثارة والسطحية، لا على المعرفة أو التفكير المتأني.

وأشار عبد اللطيف إلى أن المعرفة الجادة تتطلب صبرًا وجهدًا، وهما عنصران نادران فى الثقافة الرقمية الحالية، مؤكدًا أن الإعلام التقليدى لم يُهزم بالكامل، لكنه فقد شريحة واسعة من جمهوره بسبب بطء تكيفه مع التحولات الجديدة، رغم امتلاكه رصيدًا كبيرًا من المصداقية والخبرة.

وشدد على أن التحدى الحقيقى يتمثل فى قدرة الإعلام التقليدى على إعادة تقديم نفسه بلغة العصر، وتحويل منصات التواصل الاجتماعى من خصم إلى حليف، من خلال محتوى جذاب دون التفريط فى المعايير المهنية.
واختتم الدكتور محمود عبد اللطيف حديثه بالتأكيد على أن بناء إعلام رقمى قادر على حماية وعى الأجيال يبدأ بالاستثمار فى الإنسان قبل التكنولوجيا، عبر إعداد إعلاميين يدركون أن دورهم تربوى فى المقام الأول، داعيًا إلى تكامل حقيقى بين الأسرة والتعليم والإعلام، لتحويل الفضاء الرقمى من أداة تآكل صامتة إلى مساحة بناء وعى ومسؤولية مجتمعية.