ملف خاص| دفاتر تحت الأنقاض.. كيف سرقت الحروب طفولة الملايين؟

تأثير الحروب على الأطفال - ارشيفية
تأثير الحروب على الأطفال - ارشيفية


لا تبدأ الحروب بصوت الرصاص فقط، بل تبدأ في اللحظة التي تنطفئ فيها ضحكة طفل، ويختفي شعوره بالأمان. فخلف أرقام القتلى والنازحين والمصابين، توجد وجوه صغيرة تحمل ذاكرة ثقيلة، وأحلام مؤجلة، وطفولة اختُطفت قبل أوانها.

في مناطق النزاع حول العالم، أصبح ملايين الأطفال يدفعون ثمن صراعات لم يختاروها؛ يفقدون منازلهم ومدارسهم وأسرهم، ويواجهون الجوع والمرض والنزوح، بينما تترك الصدمات النفسية آثارًا قد تمتد معهم لسنوات طويلة.

وتؤكد المواثيق الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية حقوق الطفل، أن حماية الأطفال أثناء الحروب والأزمات ليست خيارًا، بل مسؤولية قانونية وإنسانية، إلا أن الواقع يكشف أن الأطفال غالبًا ما يكونون أول ضحايا الصراعات وآخر من يستعيدون حياتهم الطبيعية.

 

◄ غزة.. حين أصبحت الطفولة هدفًا للحرب

 

منذ أكتوبر 2023، تحولت غزة إلى واحدة من أكثر مناطق العالم خطورة على الأطفال، في ظل سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، واتساع موجات النزوح، وخروج مدارس ومستشفيات عن الخدمة، وتحول الاحتياجات الأساسية مثل الماء والغذاء والعلاج إلى تحدٍ يومي.

ومن أكثر القصص التي أثارت تعاطف العالم قصة الطفلة هند رجب، ذات الأعوام الخمسة، التي ظلت محاصرة داخل سيارة بعد مقتل عدد من أفراد أسرتها. تمكنت من طلب النجدة عبر الهاتف، لكن ظروف القتال حالت دون وصول فرق الإنقاذ إليها في الوقت المناسب، لتتحول قصتها إلى رمز لمعاناة الأطفال في مناطق الحرب.

 

اقرأ ايضا| الأطفال بغزة وضعهم كارثى وفى السودان يتعرضون لانتهاكات جسيمة

 

كما جسدت قصة الطفل يزن الكفارنة معاناة الأطفال المرضى الذين يحتاجون إلى رعاية خاصة، بعدما تسببت ظروف الحرب ونقص الغذاء والدواء في زيادة معاناته، لتصبح صورته شاهدًا على آلاف الأطفال الذين تعطلت حياتهم الصحية بسبب النزاعات.

ورغم قسوة الواقع، يبقى حلم أطفال غزة بسيطًا: مدرسة آمنة، وبيت مستقر، وليلة هادئة بلا خوف.

 

◄ السودان.. النزوح الذي سرق مقاعد الدراسة

 

منذ اندلاع الحرب في السودان عام 2023، وجد ملايين الأطفال أنفسهم أمام واقع جديد عنوانه النزوح وفقدان الاستقرار. توقفت الدراسة في مناطق عديدة، وتحولت بعض المدارس إلى مراكز إيواء، وأصبح توفير الغذاء والمياه والرعاية الصحية معركة يومية.

ولا تقتصر خسائر الأطفال على فقدان المكان، بل تمتد إلى فقدان الإحساس بالمستقبل؛ فالكثير منهم يحملون ذكريات بيوت تركوها، ومدارس لم يعودوا إليها، وحياة توقفت فجأة.

وتحذر المنظمات الإنسانية من أن ملايين الأطفال السودانيين يحتاجون إلى مساعدات عاجلة، في ظل انتشار الجوع والأوبئة وتراجع فرص التعليم وتزايد مخاطر العنف والاستغلال.

 

◄ جنوب لبنان.. مفاتيح البيوت بدل الحقائب المدرسية

 

مع تصاعد المواجهات في جنوب لبنان خلال عام 2024، اضطر كثير من الأطفال إلى مغادرة قراهم والابتعاد عن منازلهم. حمل بعضهم صور أسرهم وأغراضًا بسيطة أصبحت تمثل صلتهم بالحياة التي تركوها خلفهم.

وفي مراكز الإيواء، ظهرت قصص أطفال ما زالوا يحتفظون بكتبهم ودفاترهم، وكأنهم ينتظرون عودة قريبة إلى مدارسهم وبيوتهم، في مشهد يلخص كيف تتحول الحرب إلى سارق للوقت والأحلام.

فآثار النزاعات لا تنتهي بمجرد توقف القتال، بل تمتد إلى الصحة النفسية والتعليم والشعور بالأمان.

 

◄ سوريا.. جيل لم يعرف سوى الحرب

 

منذ عام 2011، عاش ملايين الأطفال السوريين سنوات طويلة في ظل الحرب والنزوح، وكبر جيل كامل وهو لا يعرف معنى الاستقرار أو الحياة الطبيعية.

في المدارس المؤقتة ومخيمات النازحين، لم تكن رسومات الأطفال مجرد ألوان على الورق، بل كانت تعبيرًا عن أحلام مفقودة. فعندما طلب أحد المعلمين من الأطفال رسم منازلهم، كتب أحدهم: "أريد بيتًا لا أخاف فيه"، في جملة تختصر حجم الخوف الذي عاشه كثير من الأطفال.

وأصبحت صور أطفال سوريا رموزًا عالمية لمعاناة الطفولة في الحروب، ومنها صورة الطفل عمران دقنيش الذي خرج من تحت أنقاض حلب عام 2016، وصورة الطفل آلان كردي الذي توفي خلال رحلة لجوء عبر البحر، لتعيد القصتان تسليط الضوء على مأساة الأطفال واللاجئين.

كما نقلت الطفلة بانا العابد يوميات الأطفال في حلب عبر رسائل قصيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، في تجربة كشفت جانبًا من حياة الصغار داخل مناطق الصراع.

ورغم مرور سنوات على بداية الحرب، لا يزال كثير من الأطفال السوريين بحاجة إلى التعليم والرعاية الصحية والدعم النفسي، لاستعادة سنوات الطفولة التي فقدوها.

 

◄ ليبيا.. عندما جرفت السيول أحلام الأطفال

 

لم تكد ليبيا تتجاوز سنوات من الصراع والانقسام حتى جاءت كارثة فيضانات درنة في سبتمبر 2023 لتضيف مأساة جديدة، بعدما فقد آلاف الأطفال أسرهم ومنازلهم ومدارسهم خلال ساعات قليلة.

وفي أعقاب الكارثة، واجه الأطفال صدمات نفسية عميقة؛ فبعضهم فقد أفراد أسرته، وآخرون وجدوا أنفسهم في مراكز إيواء بعيدة عن أماكنهم التي اعتادوا عليها.

وأشارت المنظمات الإنسانية إلى أن الدعم النفسي والاجتماعي أصبح ضرورة عاجلة للأطفال الناجين، لأن آثار الكوارث لا تنتهي بإنقاذ الأشخاص من الخطر المباشر، بل تستمر داخل الذاكرة والمشاعر.

 

◄ العراق.. أطفال يحاولون استعادة الحياة

 

ترك الصراع في العراق آثارًا عميقة على أجيال من الأطفال، خاصة في المناطق التي شهدت مواجهات ونزوحًا واسعًا، مثل الموصل والأنبار وصلاح الدين وسنجار. فقد عاش كثير منهم سنوات من الخوف وفقدان التعليم والانفصال عن بيئاتهم الطبيعية، قبل أن تبدأ محاولات إعادة بناء المدارس والمجتمعات.

لكن التحدي الأكبر لم يكن فقط إعادة بناء المباني، بل إعادة بناء ثقة الأطفال في المستقبل، ومساعدتهم على تجاوز آثار العنف والنزوح. فالأطفال الذين عاشوا الحرب يحتاجون إلى أكثر من العودة إلى مقاعد الدراسة؛ يحتاجون إلى الشعور بأن العالم أصبح مكانًا آمنًا مرة أخرى.

 

◄ أطفال الحروب.. ضحايا بلا حدود

 

تختلف أسماء البلدان، لكن وجوه الأطفال في مناطق النزاع تحمل الألم نفسه؛ طفل يبحث عن والديه، وآخر ينتظر العلاج، وثالث يحمل ذكرى منزله القديم، ورابع يحلم بالعودة إلى المدرسة. فالحروب لا تدمر الحجر فقط، بل تترك آثارًا عميقة في الإنسان؛ في ذاكرته ونفسيته وتعليمه ومستقبله.

وبينما تتحدث التقارير الدولية عن ملايين الأطفال المتضررين من النزاعات، يبقى السؤال الأكبر: هل يكفي العالم أن يوثق معاناتهم، أم يجب أن يتحول الحديث عن حماية الأطفال إلى إجراءات حقيقية تضمن لهم الحق في الحياة والأمان والتعليم؟ فطفل اليوم هو إنسان الغد، وحماية طفولته ليست فقط واجبًا إنسانيًا، بل استثمار في مستقبل البشرية.

الخبراء في حوار خاص لبوابة أخبار اليوم: الحرب لا تنتهي بخروج الرصاص.. بل تبقى داخل ذاكرة الطفل
 

◄ النزاعات تهز الأسرة وتترك جروحًا نفسية ممتدة

 

تؤكد الدكتورة شادية قناوي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، ومندوب مصر الأسبق لدى اليونسكو، أن الحروب من أقسى الأحداث التي يمكن أن تواجه المجتمعات، لأنها لا تهدم البنية المادية فقط، بل تهز أيضًا استقرار الأسرة وتترك آثارًا عميقة في نفوس الأطفال.

 

اقرأ ايضا| بعد التقرير الأممي عن استهداف إسرائيل «المتعمد» للأطفال الفلسطينيين.. هل تنصفهم الصحافة الغربية؟ 

 

وتوضح أن الطفل يحتاج في سنواته الأولى إلى بيئة مستقرة يشعر فيها بالأمان، لكن الحروب والنزوح القسري تضعه أمام واقع مليء بالخوف وعدم اليقين، مشيرة إلى أن فقدان المنزل أو المدرسة أو أحد أفراد الأسرة قد يتحول إلى تجربة صادمة ترافق الطفل لسنوات طويلة.

وتضيف أن أخطر ما يواجه الأطفال في النزاعات هو فقدان القدرة على تصور المستقبل، فالطفل الذي لا يعرف أين سيعيش أو متى سيعود إلى مدرسته يفقد جزءًا أساسيًا من إحساسه بالأمان.

وترى قناوي أن المشهد يتكرر في مناطق عدة مثل غزة والسودان وسوريا ولبنان وليبيا والعراق، حيث يجمع الأطفال بينهم فقدان الاستقرار، وتوقف التعليم، والعيش في ظروف النزوح والمخيمات.

وحول فرص تعافي الأطفال بعد انتهاء الحروب، تشير إلى أن قدرة المجتمعات على إعادة دمج الأطفال تختلف من دولة إلى أخرى، موضحة أن توافر المؤسسات والخدمات والدعم النفسي يلعب دورًا أساسيًا في سرعة التعافي.

وتنتقد قناوي التفاوت في التعامل الدولي مع أزمات الأطفال، مؤكدة أن حق الطفل في الحياة والأمان والتعليم يجب ألا يرتبط بموقعه الجغرافي أو الظروف السياسية المحيطة به، لأن حقوق الطفل واحدة في كل مكان.

 

◄ الطفل الذي يرى الحرب يفقد إحساسه بالأمان

 

ويؤكد الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، أن الأطفال الذين يعيشون وسط الحروب يتعرضون لصدمات نفسية عميقة، لأنهم لا يواجهون الخوف فقط، بل يعيشون مشاهد تهدد إحساسهم الأساسي بالأمان.
ويشير إلى أن الطفل في مناطق النزاع قد يتعرض لفقدان أحد أفراد أسرته، أو مشاهدة مشاهد عنف ودمار، أو النزوح من منزله، وهي تجارب قد تترك آثارًا طويلة المدى على شخصيته وسلوكه ونظرته إلى العالم.

وأوضح أن آثار الصدمات النفسية قد تظهر في صور متعددة، منها القلق المستمر، واضطرابات النوم، والخوف، والانطواء، وفقدان الرغبة في التعلم أو ممارسة الأنشطة الطبيعية.

ويضيف أن أخطر ما تتركه الحرب داخل الطفل هو تغير مفهومه عن الحياة، فالطفل الذي يرى الموت والدمار بشكل متكرر يصبح بحاجة إلى تدخل نفسي واجتماعي يساعده على استعادة ثقته بنفسه وبالآخرين.
ويؤكد هندي أن توقف القتال لا يعني انتهاء آثار الحرب، لأن إعادة بناء الإنسان تحتاج إلى وقت وجهد، عبر توفير الدعم النفسي والتعليم والبيئة الآمنة.

 

◄ الاتصال حق إنساني لحماية الأطفال وقت الأزمات

 

وترى الدكتورة منى الحديدي، عميد كلية الإعلام بجامعة القاهرة الأسبق، وعضو المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، أن الحق في الاتصال يصبح أكثر أهمية خلال الحروب والأزمات، لأنه وسيلة لحماية الإنسان ونقل الحقيقة والوصول إلى المساعدة.

وتوضح أن الاتصال ليس مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل يمثل شريانًا أساسيًا في أوقات الخطر، خاصة للأطفال الذين يحتاجون إلى من ينقل معاناتهم ويوصل أصواتهم إلى العالم.

وتشير إلى أن وسائل الإعلام تتحمل مسؤولية كبيرة في تغطية أوضاع الأطفال في مناطق النزاع، بشرط الالتزام بالمعايير المهنية وعدم تحويل معاناتهم إلى مادة للاستغلال الإعلامي.

وتؤكد أن الإعلام المهني يجب أن يقدم صورة متوازنة؛ ينقل حجم المأساة، وفي الوقت نفسه يساهم في نشر المعلومات التي تساعد الأطفال والأسر على الوصول إلى الدعم والخدمات الإنسانية.

وترى أن القالب التسجيلي من أكثر الأشكال الإعلامية قدرة على توثيق معاناة الأطفال، لأنه يجمع بين الصورة والصوت والشهادة الإنسانية، ويجعل العالم يرى آثار الحروب بصورة أكثر واقعية.

وحول دور الإعلام الرقمي، توضح أن القضية ليست في نوع الوسيلة، سواء كانت تقليدية أو رقمية، بل في مدى الالتزام بالمهنية والدقة، مشددة على ضرورة التحقق من الصور والمعلومات قبل نشرها، خصوصًا ما يتعلق بالأطفال.

وتضيف أن حماية الأطفال في مناطق النزاع تحتاج إلى تفعيل حقيقي للاتفاقيات الدولية، وأن الإعلام عليه دور في تذكير العالم بأن كل طفل يتعرض للخطر، في أي مكان، يستحق الحماية نفسها.

وتختتم الحديدي بالتأكيد على أن الكلمة والصورة يمكن أن تكونا وسيلة لإنقاذ حياة، عندما تستخدمان بمسؤولية، وأن الإعلام في أوقات الأزمات لا يكتفي بنقل الحدث، بل يشارك في حماية الإنسان.