بقلم: د. نرمين خضر
التقرير الأممي الشامل، الذي صدر منذ أيام، عن استهداف إسرائيل الأطفال الفلسطينيين بشكل منهجي، واعتبار ذلك الاستهداف دليلًا موثقًا على ارتكاب «الإبادة الجماعية»، أعاد تسليط الضوء على ما يجري في غزة من جرائم على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي، بعد أن كاد العالم ينسي مأساة الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية، في ظل الإنشغال بما يدور بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر، ووسط تعتيم إعلامي تام- يصل حد "التواطؤ"- من كبريات وسائل الإعلام الأمريكية والغربية.
التقرير، الذي أعدته لجنة تحقيق دولية مستقلة تابعة للأمم المتحدة، وعُرض يوم الثلاثاء 23 يونيو ضمن أعمال الدورة الـ62 لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، أتهم إسرائيل باستهداف الأطفال الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية «بشكل متعمد»، معتبرة أن هذا السلوك الممنهج بات عاملا رئيسيا لإثبات "الإبادة الجماعية" والمحاولات المستمرة لتدمير المجتمع الفلسطيني كليا أو جزئيا. وأشار التقرير إلى أن عمليات قتل الأطفال وإصابتهم بجروح بليغة لم تتوقف، بالرغم من اتفاق وقف إطلاق النار المعلن في قطاع غزة منذ العاشر من أكتوبر الماضي 2025.
رئيس اللجنة سرينيفاسان موراليدار، أكد أن الأدلة الموثقة تُظهر بوضوح «استهدافا مباشرًا للأطفال» من قِبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، في تجاهل تام للقانون الدولي الإنساني، كما كشف تقرير اللجنة عن تعرض الأطفال الفلسطينيين في مراكز الاحتجاز الإسرائيلية "لأساليب وحشية تشمل التعذيب، وسوء المعاملة، والعنف الجنسي، والاحتجاز دون الكشف عن أماكن وجودهم، معتبرة أن هذه الممارسات «متجذرة في نمط طويل الأمد، ذي طابع عرقي وعابر للأجيال؛ يهدف للإذلال وقمع الوجود الفلسطيني».
ولم تقتصر اتهامات اللجنة الأممية على عمليات القتل المباشر، بل امتدت لتشمل تدمير البنية الأساسية للمجتمع؛ عبر استهداف مراكز رعاية الأمومة والأطفال حديثي الولادة، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع حاد في معدلات الإجهاض والعيوب الخلقية، مما يهدد "المستقبل الإنجابي للفلسطينيين"، بحسب التقرير، الذي رصد أيضًا الآثار العميقة الناتجة عن الحصار وسلاح "التجويع"، وتفكيك دور الأيتام والمنشآت التعليمية، وهو ما خلّف صدمات جماعية وحرمانا من التغذية والتعليم والرعاية الصحية "ستلازم جيل الأطفال طوال حياتهم".
الاتهامات الموجهة إلى الكيان الصهيوني ليست جديدة، كما أن هذا التقرير لم يكن أول تقرير أممي يسلط الضوء على جرائم الاحتلال في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة، لكنه يركز هذه المرة على تأثير تلك الجرائم على الأطفال الفلسطينيين، في حاضرهم ومستقبلهم، ويٌعدها دليلًا جديدًا يثبت ارتكاب إسرائيل لـ"الإبادة الجماعية".
لذا فالسؤال المهم هنا: هل يغير هذا التقرير، وغيره، من تعامل الإعلام الغربي مع حرب الإبادة على غزة، خصوصًا بعد أن ارتفعت أصوات وازنة تفضح إنحياز هذا الإعلام للرواية الإسرائيلية، بل وتواطؤه في "تسويق" جرائم الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين، خصوصًا في غزة؟.
من أبرز الأصوات التي فضحت ذلك "التواطؤ"، كان الباحث والناقد الأمريكي آدم جونسون، الذي كتب مقالًا مطولًا نشره موقع "ذي إنترسبت" الإخباري، بالتزامن مع صدور كتابه "كيفية تسويق الإبادة الجماعية: تواطؤ وسائل الإعلام في تدمير غزّة"، عرض فيه أبرز خلاصات دراسته الإحصائية الموسعة عن تغطية الإعلام الأمريكي لحرب الإبادة الإسرائيلية على غزّة، مؤكدًا أن هذه التغطية كانت "أحادية الجانب، وعنصرية، ومجرّدة من الإنسانية".
واعتمد جونسون في كتابه، الصادر في إبريل الماضي عن دار "بلوتو برس" البريطانية، على تحليل أكثر من 12 ألف مادة منشورة في صحيفتي: "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست"، ومواقع: "سي أن أن" و"بوليتيكو"، و"أكسيوس"، و"يو إس إيه توداي"، إضافة إلى وكالة "أسوشييتد برس" للأنباء، إلى جانب تحليل خمسة آلاف تقرير تلفزيوني بُثّت على شبكتَي "سي أن أن" و"إم إس أن بي سي"، مُدعمًا هذه البيانات بمقابلات رسمية مع صحفيين داخل تلك المؤسسات الإخبارية.
ويوضح الباحث الأمريكي أنه في المئة يوم الأولى من الحرب، استُخدمت كلمات مثل: "مجزرة" و"همجي" و"وحشي" و"ذبح"، آلاف المرات في وسائل الإعلام لوصف ما جرى يوم السابع من أكتوبر «2023»، أمّا بالنسبة لقتل الفلسطينيين، فكان العدد المُكافئ "صفرًا" فعليًا؛ أي أنها لم تُستخدم قط في كتابات الصحفيين أنفسهم، بل وردت فقط في المناسبات النادرة التي نُقلت فيها تصريحات مباشرة عن مسؤولين فلسطينيين.
الأمر نفسه فعلته قنوات الأخبار الفضائية، حيث استخدمت شبكة CNN كلمة "مجزرة" 225 مرة في الثلاثين يومًا الأولى من الحرب؛ لوصف يوم السابع من أكتوبر، ولم تُستخدم ولو مرة واحدة لوصف أيٍّ من مئات عمليات القصف الإسرائيلي المُتعمّدة التي تلتها. أما مصطلح "الدروع البشرية"، فقد استُخدم 888 مرة على شبكتي CNN وMSNBC لوصف ما يُزعم أنه «تكتيكات فلسطينية».
أما استخدام "إسرائيل" الموثّق للمعتقلين الفلسطينيين دروعًا بشرية، وهي ممارسة أكّدتها المحاكم الإسرائيلية نفسها.. وسُجّلت بالفيديو، فلم يُذكر على هاتين الشبكتين ولو لمرة واحدة. وبينما ظهر مصطلح "حق الدفاع عن النفس" 755 مرة عند الحديث عن "إسرائيل" على شبكتيْ CNN وMSNBC، فإنه لم يُذكر عند تطبيقه على الفلسطينيين سوى ثماني مرات.
ويركز "جونسون" في فصلٍ مستقل من بحثه، على ما أسماه "تجريد اللغة من الإنسانية"، ويوضح أنه خلال مفاوضات تبادل الأسرى، أشارت جميع وسائل الإعلام الرئيسية دائمًا إلى الأسرى الإسرائيليين دون سن الثامنة عشرة بـ"الأطفال"، بينما أُشير إلى الأسرى الفلسطينيين دون السن نفسها بـ"القاصرين"، وغالبًا يأتي الوصفين معًا في الجملة نفسها. ويقول إن صحيفة "نيويورك تايمز" كررت هذا المعيار المزدوج 12 مرة على الأقل، في عبارات مثل: "وافقت حماس على إطلاق سراح 50 رهينة على الأقل، جميعهم من النساء والأطفال، بينما ستُطلق إسرائيل سراح 150 إمرأة وقاصرًا فلسطينيًا من سجونها".
ويُقدّم جونسون عشرة أمثلة من هذا القبيل من وسائل إعلام أخرى، من بينها: "أكسيوس"، "واشنطن بوست"، ووكالة "أسوشيتد برس". ويلفت أن ذلك يُظهر بوضوح أن المغزى الضمني، هو اعتبار الشباب الإسرائيليين "كاملي الحقوق الأخلاقية للأطفال"، بينما يُنظر إلى الشباب الفلسطيني على أنهم أكثر نضجًا من الناحية القانونية، وأكثر مسؤولية، وبالتالي "يستحقون" ما يحدث لهم من انتهاكات.
في أحد أكثر الأمثلة دلالة، قارن الكاتب الأمريكي حجم التغطية الإعلامية التي حظيت بها رئيسة جامعة "هارفارد" السابقة كلودين جاي، التي استقالت من منصبها بعدما تعرضت لهجوم شرس بسبب شهادتها في الكونجرس الأمريكي حول معاداة السامية، بتغطية قتل إسرائيل الطفلة الفلسطينية هند رجب. ووفق الدراسة، نشرت "نيويورك تايمز" 79 مادة عن كلودين جاي.. مقابل مادتَين فقط عن هند رجب، ونشرت "واشنطن بوست" 23 مادة عن جاي.. مقابل مادتَين عن الطفلة الفلسطينية، بينما لم تنشر "بوليتيكو" أو "أكسيوس" أو "يو إس إيه توداي" أي مادّة عن هند رجب، مقابل عشرات المواد عن جاي. وعلى التلفزيون، تحدثت "سي أن أن" عن كلودين جاي 409 مرّات؛ مقابل 29 مرّة فقط عن هند رجب، بينما لم تذكر "إم إس أن بي سي" الطفلة الفلسطينية إطلاقًا، مقابل 210 إشارات إلى جاي.
في النهاية، فلعل من أبرز مفارقات "حرب غزة" أنها الإبادة الجماعية الأولى في تاريخ البشر، التي تُذاع وتُبث لجميع الناس مباشرةً، ومع ذلك فهي أكثر الإبادات التي عُتّم عليها. حيث لعبت الصحافة الغربية دورًا خطيرًا، إذ لم تقصر في أداء واجبها خلال تدمير "إسرائيل" لغزة فحسب، بل تواطئت بشكل فعلي في تمكينه وإطالة أمده، وتمكين مرتكبيها من الإفلات من العقاب ولو إلى حين.
كاتبة المقال أستاذ الإعلام الدولي بجامعة القاهرة، والعميد المركزي لكليات الإعلام بالجامعة العربية المفتوحة

عندما يتحول «الزمن» إلى «مكان»
مونديال الأمم الأفريقية !!
زمان والآن






