مع انهيار أجواء التهدئة التى أعقبت توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية فى يونيو الماضى عادت لغة القوة لتفرض نفسها على المشهد، بعدما تبادل الطرفان الضربات العسكرية واتسعت دائرة العمليات لتشمل دولًا خليجية، الأمر الذى دفع مصر لإعلان موقف حاسم برفض استهداف أى دولة عربية، مؤكدة أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومى المصرى والعربى، ومُشددة على ضرورة وقف التصعيد والاحتكام للحوار والحلول السياسية.
ويُجمع الخبراء والمحللون على أن ما تشهده المنطقة لا يُمثل مُجرد أزمة عابرة، وإنما نقطة تحول خطيرة قد تُعيد الشرق الأوسط لمرحلة الحروب المفتوحة إذا فشلت الجهود الدبلوماسية فى احتواء الموقف.

وكما يؤكد السفير محمد العرابى وزير الخارجية الأسبق فإن فالتحرك المصرى اتسم منذ اللحظة الأولى بالاتزان والمسئولية، موضحًا أن القاهرة ترفض بصورة قاطعة الاعتداء على سيادة أى دولة عربية، وفى الوقت نفسه تدعو جميع الأطراف لضبط النفس وعدم الانزلاق نحو مواجهة شاملة ستكون كلفتها باهظة على الجميع، مُضيفًا أن مصر تنطلق من ثوابت راسخة فى سياستها الخارجية أهمها احترام سيادة الدول، والحفاظ على وحدة الأراضى العربية، وعدم السماح بتحويل المنطقة لساحة لتصفية الحسابات الدولية، وهو ما انعكس بوضوح فى بيان وزارة الخارجية الذى أدان الهجمات على الكويت والبحرين، وجدد التأكيد على أن أمن الخليج يُمثل امتدادًا مُباشرًا للأمن القومى المصرى.
ويُؤكد العرابى أن السياسة المصرية نجحت فى الحفاظ على توازن دقيق؛ فهى أدانت بوضوح الاعتداءات على الدول العربية، لكنها فى الوقت نفسه لم تتبن خطابًا تصعيديًا، وإنما طالبت بالعودة للمسار الدبلوماسى باعتبار أن الحلول العسكرية أثبتت عبر عقود أنها لا تنتج استقرارًا دائمًا، مُشيرًا إلى أن القاهرة تُدرك أن اتساع دائرة الحرب ستكون له انعكاسات مُباشرة على الأمن الإقليمى سواء من خلال اضطراب الاقتصاد العالمى أو تهديد الملاحة الدولية أو تنامى مخاطر الإرهاب والهجرة غير الشرعية، ولذلك فإن الأولوية المصرية تتمثل فى احتواء الأزمة قبل تحولها لصراع مفتوح.
التفاوض بالردع
الولايات المتحدة وإيران تعتمدان حاليًا استراتيجية "التفاوض عن طريق الردع" فى إدارة أزمة الملف النووى، كما يرى الدكتور سعيد الزغبى أستاذ العلوم السياسية، مُشيرًا إلى أن الجانب الاقتصادى بات يُمثل السلاح الأكثر تأثيرًا فى هذه المواجهة التى توصف سياسيًا بـ"الحرب الهجين"، موضحًا أن الصراع "الأمريكى - الإيرانى" يتجاوز فى أدواته المواجهة العسكرية والدبلوماسية التقليدية حيث تلعب القدرات والضغوط الاقتصادية الدور الأكبر فى صياغة المواقف التفاوضية، مُضيفًا أن الإدارة الأمريكية ولاسيما تحت قيادة ترامب تستخدم العقوبات الاقتصادية كورقة ردع أساسية لإجبار طهران على تقديم تنازلات حقيقية تمس جوهر برنامجها النووى ومنظومتها الصاروخية، لافتًا إلى أن تدهور الوضع الاقتصادى الداخلى فى إيران نتيجة العقوبات كان له بالغ الأثر فى صياغة موقفها التفاوضى الجديد، حيث تُعانى البلاد من موجة تضخم حادة أدت لارتفاع أسعار السلع الغذائية والمواد الأساسية بنسبة تفوق 100% عن قيمتها الحقيقية، كما أوضح أن واشنطن تُراهن على أن هذه الضغوط المعيشية قد تدفع الشارع الإيرانى للضغط على النظام، وهو ما يُجبر القيادة الإيرانية على إظهار مرونة أكبر لإنهاء هذه العزلة الاقتصادية والوصول لتفاهمات تضمن رفع العقوبات أو تخفيفها، مُشيرًا إلى أن واشنطن تهدف للتوصل لاتفاق شامل ومُعلن يقضى بتخلى طهران عن طموحاتها النووية وتنازلها عن مخزونها من اليورانيوم المُخصب، الذى يقدر بحوالى 440 كيلو جرامًا، فضلًا عن تفكيك برنامجها لتطوير الصواريخ الباليستية والفرط صوتية، مُختتمًا بأن استدامة وصمود أى هدنة أو تفاهمات مؤقتة بين الطرفين تتطلب دخول وسطاء وشركاء إقليميين جدد كضامنين للاتفاق، حيث تلعب قوى إقليمية رئيسية مثل مصر والسعودية وتركيا وقطر وباكستان، دورًا حيويًا فى تقديم الضمانات السياسية والأمنية التى تحول دون تجدد الصراع وتضمن استقرار المنطقة.

من جانبه يرى الخبير الأمنى اللواء خالد الشاذلى مساعد وزير الداخلية الأسبق أن تجدد الصراع بين أمريكا وإيران قبل انقضاء المُهلة الدبلوماسية يثير علامات استفهام كبرى حول المُستفيد الحقيقى من تقويض فرص السلام وحول طبيعة الاختراقات الأمنية التى تحرك خيوط الأزمة من الداخل الإيرانى، موضحًا أن الشرارة الأولى للتصعيد الحالى انطلقت عقب استهداف طهران لباخرة تجارية مرتبطة بجهات فى قطر وسنغافورة وإندونيسيا، مؤكدًا أن هذا التحرك يُثير تساؤلًا حول طبيعة الأمر بمثل هذه العمليات وتوقيتها الحرج الذى يخدم استراتيجية التصعيد الإسرائيلية الرافضة للاتفاق جملة وتفصيلًا، موضحًا أن المشهد الراهن يُعيد للأذهان قضية الجاسوس الإسرائيلى الشهير "إيلى كوهين" فى ستينيات القرن الماضى، الذى نجح فى التغلغل داخل مراكز صناعة القرار السورى تحت اسم مستعار، وكان قريبًا من الرئاسة حتى كشفته المخابرات المصرية بسبب صورة التُقطت له فى هضبة الجولان، لافتًا إلى أن هذا النوع من العملاء الداخليين هو التفسير الوحيد لامتلاك تل أبيب لإحداثيات دقيقة مكنتها سابقًا من تصفية قيادات إيرانية رفيعة، وأن ذات الجناح المُخترق قد يكون هو من أعطى الأمر بضرب السفينة التجارية لإشعال الحرب مُجددًا وإحراج الجناح الدبلوماسى فى طهران.
علامات استفهام
وأوضح الشاذلى أن الأيام الأخيرة شهدت تصعيدًا غير مسبوق، حيث عادلت القوة التدميرية للضربات الأمريكية الأخيرة حجم ما أُلقى طوال جولات الصراع السابقة، وفى مُقابل هذا الهجوم الضارى جاءت ردود الفعل الميدانية لتطرح علامات استفهام إضافية، بينما وجهت إيران صواريخها الردعية نحو مناطق يتواجد بها نفوذ أو قواعد أمريكية كالبحرين والكويت، مُشيرًا لغياب تام لأى استهداف مُباشر أو قصف صاروخى موجه نحو الداخل الإسرائيلى، لافتًا إلى أن التطورات الأخيرة تُثبت أن استخدام الولايات المتحدة لقواعدها العسكرية بالمنطقة لضرب العمق الإيرانى ورد طهران على محيطها يضع عواصم المنطقة بموضع الرهينة لصراع يُدار بأدوات اختراق استخباراتية قادرة على تحريك المشهد من خلف الستار.

أخطر ما يُميز المرحلة الحالية بحسب الخبير الاستراتيجى اللواء سمير فرج مُدير إدارة الشئون المعنوية الأسبق هو أن الاشتباك لم يعد مُقتصرًا على الأراضى الإيرانية أو القواعد الأمريكية، بل امتد لمحيط الخليج بما يُهدد الممرات البحرية ومنشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية، لافتًا إلى أن أى توسع إضافى فى العمليات العسكرية ستكون له تداعيات مُباشرة على حركة التجارة العالمية خصوصًا أن مضيق هرمز يمر عبره جانب كبير من صادرات النفط والغاز، وهو ما يجعل أى اضطراب فيه قضية عالمية تتجاوز حدود الإقليم، مُشددًا على ضرورة إدراك جميع الأطراف أن الحرب الشاملة ستكون مُكلفة للغاية، لكن استمرار الضربات المُتبادلة يُزيد احتمالات وقوع خطأ عسكرى أو سياسى قد يُشعل مواجهة يصعب احتواؤها.
وعن الموقف المصرى من الأزمة، قال فرج إنه يختلف عن مواقف بعض القوى الإقليمية إذ يقوم على رفض الانحياز إلى خيار الحرب، مع التأكيد فى الوقت نفسه على رفض المساس بسيادة الدول العربية أو تعريض أمنها للخطر، مؤكدًا أن القاهرة تمتلك رصيدًا سياسيًا كبيرًا يؤهلها للقيام بدور مُهم فى أى جهود إقليمية أو دولية لاحتواء الأزمة مُستفيدة من علاقاتها المُتوازنة مع مُختلف الأطراف، وإيمانها الدائم بأن الحوار هو الطريق الوحيد لتجنب انفجار المنطقة.
تعليق التفاهم

بصورة مُختلفة يرى الدكتور مختار غباشى أمين عام مركز "الفارابى" للدراسات السياسية أن التصعيد "الأمريكى - الإيرانى" لا يعنى عودة الحرب بشكل مُباشر، لكن ذلك يعنى أن مُذكرة التفاهم أصبحت مُعلقة، موضحًا أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تُدرك جيدًا الغرض الذى جاءت من أجله هذه المذكرة، وكانت تسعى لإخضاع إيران للإرادة الأمريكية بصورة أو بأخرى وألا يكون لإيران تأثير فى مضيق هرمز أو قدرة على رفض ما تطلبه واشنطن، موضحًا أن المشهد الآن اختلف إذ أصبحت إيران تُمثل حالة من الندية غير المسبوقة، وهو ما يُثير انزعاج الولايات المُتحدة، كما أنها باتت تُمثل أحد أشكال المُنافسة فى منطقة ترى واشنطن أنها صاحبة الوصاية والنفوذ فيها، لافتًا إلى أن واشنطن توجه ضرباتها لأهداف إيرانية لترد طهران باستهداف القواعد العسكرية الأمريكية فى الكويت والبحرين، وما يجرى هو جزء من مناوشات قد لا تنتهى قريبًا، وربما تستمر لفترة من الوقت، وتكمن خطورة ذلك فى الخشية من تصاعد حدة الحرب، بحيث لا تقتصر على ضربة أمريكية يعقبها رد إيرانى، وإنما تتوسع لتتحول لحرب مفتوحة بين الجانبين، وإذا وصلت الأمور لهذا الحد فإن المنطقة ستكون على مشارف انفجار حقيقى لأن الوسيلة الأساسية التى تمتلكها إيران للرد على الولايات المُتحدة تتمثل فى استهداف قواعدها العسكرية المُنتشرة بالمنطقة، ولاسيما فى دول الخليج، وهو ما قد يمتد لمواقع مدنية أو غير مدنية داخل هذه الدول.
وأضاف أن ما يجرى الآن هو تصعيد تدريجى أو محاولة متبادلة لـ"تقليم الأظافر" بين الطرفين فأمريكا تضرب وإيران ترد، موضحًا أن إيران لا تزال مُتمسكة بما تعتبره ورقتها الذهبية، وهى مضيق هرمز، فى حين تسعى الولايات المتحدة لإعادة الأوضاع بالمضيق إلى ما كانت عليه، بينما تؤكد إيران أن ذلك هدف لن تتمكن واشنطن من تحقيقه مهما كانت الضغوط، مُختتمًا بأن كل سيناريوهات التصعيد تبقى مطروحة، إلا أن المُتضرر الأكبر سيكون هو مُحيطنا الإقليمى.
اقرأ أيضا: وزير خارجية فرنسا: لن تُرفع العقوبات عن إيران طالما لم تتخلَّ عن برنامجها النووي

رولا زحالقة تكسر احتكار الرجال للقضاء الشرعي.. امرأة تهزّ محاكم إسرائيل
زيارة الأمير المتمرد تعيد جراح العائلة المالكة.. عودة هاري تشعل القصر البريطاني
مع اقتراب الذكرى 250 لاستقلالها.. هل انتهى عصر الهيمنة الأمريكية؟





