ماجدة شلبي
فى زمنٍ تغيّرت فيه ملامح كثير من القرى واختلطت الضوضاء بالصخب لا تزال هناك بقعة استثنائية فى قلب محافظة الغربية تحتفظ بروح مختلفة وتقدم نموذجًا فريدًا فى مصر.
فى قرية حصة شبشير التابعة لمركز طنطا لا صوت يعلو فوق تلاوة آيات القرآن الكريم، فيها تتعانق أصوات الأطفال وهم يرتلون كتاب الله مع توجيهات شيوخهم فى مراجعة الحفظ وإتقان أحكام التلاوة والتجويد، فى مشهد يومى يكشف سر تميز القرية التى جعلت من القرآن أسلوب حياة.
هنا يبدأ اليوم بكتاب الله، ويُربّى الطفل على الحفظ قبل اللهو، وعلى العلم قبل الانشغال بما لا ينفع، حتى أصبحت القرية تُعرف بين الناس باسم "قرية الشفاءين"؛ الشفاء الأول للأرواح بكتاب الله، والثانى للأجساد فى عسل النحل الذى تشتهر بإنتاجه منذ سنوات طويلة.
أكثر من 50 كُتّابًا
منذ عشرات السنين توارث أهالى القرية قاعدة راسخة عنوانها: االقرآن أولًاب، ولهذا تنتشر داخل القرية عشرات الكتاتيب ودور التحفيظ، التى يتجاوز عددها 50 كُتّابًا ودارًا لتحفيظ القرآن الكريم وتجويده وتعليم القراءات.
ويؤكد الشيخ رضا أحد أبرز رموز التحفيظ بالقرية أن ما يحدث فى حصة شبشير ليس وليد الصدفة، قائلاً: "القرآن الكريم هنا ليس مجرد مادة للحفظ، بل أسلوب حياة كامل.. الطفل فى حصة شبشير ينشأ منذ صغره على احترام كتاب الله والالتزام والانضباط، وهذا يصنع شخصية قوية قادرة على النجاح فى كل المجالات".
ويضيف: "نرى نماذج كثيرة من الأطفال يختمون القرآن فى سن صغيرة، ويتفوقون فى التعليم ومنهم يتخرجون أطباء ومهندسين وأساتذة جامعات.. القرآن هنا هو نقطة البداية لكل نجاح".
بناء الشخصية
أما الشيخة ضحى التى كرّست سنوات عمرها لتحفيظ القرآن الكريم لأبناء القرية، فتؤكد أن الأثر الحقيقى للقرآن يتجاوز الحفظ إلى بناء الشخصية، لافتة إلى أن القرآن غيّر أجيالًا كاملة فى القرية.
وأضافت: "حفظ القرآن يزرع الأدب والالتزام والأخلاق، وهذا نراه فى البنات والأولاد منذ الصغر، وأجمل ما فى الأمر أن الأهالى مؤمنون برسالة التحفيظ، ويعتبرون حفظ أبنائهم للقرآن شرفًا كبيرًا وهدفًا أساسيًا فى التربية".
ثقافة مجتمع
ربما يكفى النظر إلى قائمة الأسماء البارزة التى خرجت من القرية لإدراك حجم ما تصنعه حصة شبشير، ويبرز من بينها الأستاذ الدكتور أمين بدران رئيس قسم الأدب والنقد بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر وأحد أبناء القرية الذى قال: "حصة شبشير ليست قرية عادية، بل بيئة صنعت أجيالاً كاملة على أساس من القرآن والعلم معًا".
وأضاف: "منذ الصغر نتربى على احترام العلم وتقدير العلماء، وهذا خلق حالة خاصة داخل القرية.. القرآن كان دائمًا هو النور الأول فى حياتنا، وحفظه لا يمنح الإنسان قوة فى الحفظ والتركيز فقط، بل يبنى العقل والوجدان معًا".
ويؤكد رئيس قسم الأدب والنقد بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر أن سر القرية الحقيقى يكمن فى الثقافة المجتمعية السائدة بين أهلها، حيث أصبح النجاح ثقافة مجتمع، وكل أسرة تحلم بأن ترى أبناءها من حفظة القرآن والمتفوقين علميًا.
نموذج يستحق الدراسة
وفى السياق نفسه يؤكد الأستاذ الدكتور عبدالفتاح خضر عميد كلية أصول الدين بجامعة الأزهر، أحد أبناء القرية أن حصة شبشير تمثل نموذجًا يستحق الدراسة، مشيراً إلى أن ما تحقق هو نتاج عقود طويلة من الوعى المجتمعى الحقيقى، فعندما يجتمع القرآن مع التربية السليمة والبيئة المحفِّزة تكون النتيجة أجيالاً قادرة على البناء والنجاح.
وتابع: "القرية أثبتت أن الاستثمار الحقيقى ليس فى المبانى فقط، وإنما فى الإنسان، وحين يُبنى الإنسان على أساس صحيح يصبح قادرًا على تحقيق المعجزات."
غياب المقاهى
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه فى حصة شبشير غياب المقاهى، فى مشهد نادر فى هذا الزمن، ففى الوقت الذى أصبحت فيه المقاهى جزءًا أساسيًا من معظم القرى والمدن، اختارت حصة شبشير طريقًا مختلفًا، كان البديل فيه واضحًا: الكتاتيب، وحلقات العلم، والعمل، والإنتاج، وهو ما أسهم فى الحفاظ على هويتها الخاصة.
اقرأ أيضا: انضمام محافظة الغربية إلى المرحلة الأولى من مشروع «القرية المنتجة»

د. يوسف جبارين: لن نكون جزءًا من حكومة تحتل الأرض| حوار
الجامعة العربية.. عهد جديد أم فرصة أخيرة؟| نبيل فهمي يدخل حقل الألغام العربي
مشروع لاستزراعها في البحر الأحمر| «المانجروف» كنز يفتح الطريق لأسواق الكربون





