رولا زحالقة تكسر احتكار الرجال للقضاء الشرعي.. امرأة تهزّ محاكم إسرائيل

القاضية رولا زحالقة
القاضية رولا زحالقة


فى خطوة تُعد علامة فارقة فى تاريخ القضاء الشرعى داخل إسرائيل، نجحت القاضية رولا زحالقة فى اقتحام واحد من أكثر المناصب القضائية والدينية حساسية، لتصبح ثانى امرأة تتولى منصب قاضية شرعية بعد تعيين القاضية هناء خطيب 2022. ولم يكن هذا التعيين مجرد ترقية وظيفية أو انتصار شخصى، بل مثّل تحولًا لافتًا فى مشهد ظل لعقود طويلة حكرًا على الرجال، وأعاد فتح النقاش حول العلاقة بين الدين وحقوق المرأة والاجتهاد الفقهى والسياسة داخل المجتمع العربى فى إسرائيل.

ويحمل تعيين زحالقة أبعادًا تتجاوز حدود المحكمة الشرعية، إذ يعكس تغيرًا تدريجيًا فى النظرة إلى دور المرأة داخل المؤسسات الدينية والقضائية، ويطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة هذه المؤسسات على مواكبة التحولات الاجتماعية، وإعادة قراءة النصوص الفقهية بما يحقق مقاصد العدالة والمساواة.

وتتمتع رولا زحالقة بخلفية أكاديمية ومهنية تجمع بين الفقه الإسلامى والقانون المدنى، وهو ما أهلها لخوض المنافسة على منصب يتطلب إلمامًا دقيقًا بأحكام الشريعة الإسلامية، إلى جانب الإحاطة بالقوانين الإجرائية للدولة.

وتختص المحاكم الشرعية فى إسرائيل بالنظر فى قضايا الأحوال الشخصية للمسلمين، مثل الزواج والطلاق والنفقة والحضانة والميراث، وهى قضايا تمس بصورة مباشرة استقرار الأسرة وبنية المجتمع، ومن ثم فإن وصول زحالقة إلى منصة القضاء الشرعى يمثل كسرًا لاحتكار استمر قرونًا لتولى الرجال مسئولية تفسير وتطبيق الأحكام الفقهية المتعلقة بالأحوال الشخصية، بما يمنح المرأة حضورًا مباشرًا فى صناعة الأحكام التى تنظم شئونها وشئون أسرتها.

وعلى الصعيد الاجتماعى تكتسب هذه الخطوة دلالة كبيرة بالنسبة للحركات النسوية والمدافعة عن حقوق المرأة داخل المجتمع العربى فى إسرائيل، التى ترى أن وجود قاضية شرعية لم يعد ترفًا، بل أصبح ضرورة لتحقيق قدر أكبر من العدالة والإنصاف فى القضايا التى تمس النساء.

وترى هذه الحركات أن القاضية المرأة تمتلك قدرة أكبر على استيعاب تعقيدات قضايا العنف الأسرى والضغوط النفسية والتحديات الاقتصادية والاجتماعية التى تواجهها النساء داخل أروقة المحاكم الشرعية، وهو ما يجعل وجودها إضافة نوعية لمنظومة العدالة، وليس مجرد تمثيل رمزى للمرأة.

ومن هذا المنطلق ينظر كثيرون إلى رولا زحالقة باعتبارها نموذجًا للإصلاح من داخل المؤسسة نفسها، ودليلًا على قدرة المرأة العربية على الوصول إلى مواقع صنع القرار الدينى والقضائى عبر الكفاءة والاجتهاد.

وفى المقابل لم يمر هذا التعيين دون اعتراضات، إذ أبدت تيارات دينية ومحافظة رفضها لتولى النساء منصب القضاء الشرعى، مستندة إلى تفسيرات فقهية تقليدية تشترط أن يكون القاضى رجلًا.

وأعاد هذا الجدل طرح تساؤلات بشأن حدود سلطة الدولة فى تنظيم المؤسسات الدينية، ومدى قدرة المرجعيات الشرعية الرسمية على التكيف مع المتغيرات الاجتماعية المتسارعة.

وفى خضم هذا السجال تجد زحالقة نفسها فى مواجهة انتقادات المحافظين الذين يعتبرون تعيينها خروجًا على الثوابت الفقهية، بينما يؤكد مؤيدوها أن باب الاجتهاد لم يُغلق، وأن مقاصد الشريعة الإسلامية تقوم أساسًا على تحقيق العدل والمصلحة، دون تمييز بين رجل وامرأة متى توافرت الكفاءة العلمية والشرعية.

وعلى المستوى السياسى يحمل تعيين رولا زحالقة دلالات تتجاوز الإطار القضائى، إذ تتبنى الحكومة الإسرائيلية ووزارة العدل هذه الخطوة باعتبارها جزءًا من سياسة تهدف إلى تعزيز المساواة بين الجنسين، وتوسيع مشاركة المرأة العربية فى مؤسسات الدولة.

وترى الجهات الرسمية أن دعم المرأة فى المناصب القضائية الشرعية يسهم فى تطوير منظومة العدالة ويعزز سيادة القانون ويواكب التحولات الاجتماعية داخل المجتمع العربى.

وفى المقابل ينظر بعض المحللين السياسيين من داخل المجتمع العربى الفلسطينى فى إسرائيل إلى هذه الخطوة بعين أكثر حذرًا، معتبرين أن تشجيع الدولة لتعيين النساء فى المحاكم الشرعية قد يندرج ضمن سياسة أوسع لتعزيز نفوذها داخل المؤسسات الدينية التقليدية، وإعادة تشكيلها بما ينسجم مع رؤيتها الإدارية والقانونية.

ومن هذا المنظور تتحول القاضية الشرعية، فى نظر بعض المنتقدين إلى عنصر فى معادلة سياسية معقدة تتجاوز قضية تمكين المرأة، وتمتد إلى طبيعة العلاقة بين الدولة ومؤسسات المجتمع العربى.

ولإدراك أهمية هذا التعيين لا بد من وضعه فى سياقه الإقليمى، إذ تُعد إسرائيل من بين عدد محدود جدًا من الدول التى تسمح للمرأة بتولى منصب القضاء الشرعى الإسلامى بصورة رسمية، بينما لا تزال المحاكم الشرعية فى كثير من الدول ذات الأغلبية المسلمة حكرًا على الرجال.

اقرأ  أيضا: الأمريكيون يطالبون بالانفصال عن إسرائيل