سياسة واقتصاد

«عظيمات مصر»

النائب عادل زيدان
النائب عادل زيدان


لا يمكن لقارئ المشهد الاقتصادى المصرى، أن يغفل التحولات الهيكلية التى يمر بها قطاع الزراعة؛ فالأمر لم يعد يقتصر على تأمين الغذاء، بل بات يتعلق بكيفية تعظيم القيمة المضافة للمحاصيل، وفتح آفاق تصديرية جديدة، وفى قلب هذه المعادلة الصعبة، تقف المرأة المصرية كحجر زاوية وركيزة أساسية فى واحدة من أهم الصناعات التحويلية الواعدة صناعة تجفيف المحاصيل الاستراتيجية.

تمثل المرأة المصرية الضلع الأساسى فى معادلة البقاء بالريف المصرى، والسند الحقيقى لزوجها فى رحلة الكفاح بين أحضان الأرض، هى التى تنهض مع الفجر، تشارك فى بذر البذور وجنى الثمار، وتقتسم مع شريك حياتها مرارة الشمس وتعب الحصاد بابتسامة رضا لا تفارق وجهها، مؤمنة بأن خير الأرض هو السبيل لبناء أسرة قوية ومستقرة.

هذا الدور الفطرى فى المساندة وضع الأساس لقصة كفاح طويلة؛ فلم يكن وجود المرأة فى الحقل يوماً مجرد عمل إضافى، بل كان جوهر الصمود والاستمرار، واليوم، يتطور هذا الدور الإنسانى بذكاء ليمتد من مساندة الزوج فى الحقل إلى ريادة أعمال حقيقية لتتحول تلك الأيادى التى كانت تجنى المحصول لتطعم الأبناء، إلى أيادٍ محترفة ماهرة لتبنى مستقبلاً مستقراً لأسرتها ولوطنها وتوفر لها حياة كريمة.

فى موازاة هذا الدور الإنسانى النبيل، تبرز «صناعات التجفيف» كضرورة اقتصادية قصوى للدولة المصرية لتقليل الاعتماد على الاستيراد وتخفيف الضغط على العملة الصعبة، فالتجفيف طوق نجاة للاقتصاد القومى، يمنع هدر ملايين الأطنان ويحول الفائض من عبء مالى وموسمى إلى ثروة مستدامة.

لقد شهد قطاع تجفيف الخضروات والفواكه نمواً لافتاً؛ حيث ارتفع عدد الشركات العاملة فى هذا المجال بنسبة 60% خلال عام 2023، وانعكس هذا الزخم مباشرة على حجم الإنتاج؛ إذ قفزت صادرات مصر من الطماطم المجففة إلى 2500 طن بنهاية عام 2023 مقارنة بـ 1000 طن فى العام السابق له، تتجلى القيمة المضافة فى قدرة هذا القطاع على جلب العملة الصعبة من أسواق الاتحاد الأوروبى والشرق الأوسط، وهى أسواق تفرض معايير جودة صارمة تلبيها سواعد نسائنا بدقة متناهية.

هنا تلتقى رؤية الدولة الاقتصادية بإرادة «عظيمات مصر»؛ فالمرأة اليوم لم تعد مجرد سيدة تزرع، بل أصبحت «خبيراً اقتصادياً» يدير منظومة التجفيف داخل بيتها وقريتها، تظهر البيانات الميدانية أن المرأة فى صعيد مصر تضطلع بقرابة 94% من أعمال الحصاد والفرز، بينما تبلغ هذه النسبة 67% فى الوجه البحرى.

وفى مدينة «إسنا» مثلا بمحافظة الأقصر، تحولت نساء كريمات من عاملات إلى رائدات أعمال يدرن وحدات إنتاجية منزلية ذات كفاءة تصديرية عالية ساهم بشكل مباشر فى رفع قيمة المنتج المصرى وتأهيله للمنافسة عالمياً بدلاً من بيعه كمواد خام رخيصة الثمن.

إن دمج سواعد «عظيمات مصر» وعطائهن الإنسانى مع مقومات الصناعة ليس مجرد خطة اقتصادية، بل هو استثمار استراتيجى بعائد مستدام، فهو السبيل الأمثل لبناء اقتصاد زراعى مرن، صامد فى وجه الأزمات، يحول الهدر إلى ثروة وطنية تدعم رحلة الوطن نحو الاكتفاء والازدهار، فالمرأة المصرية كانت وستظل الحارس الأمين للأمن الغذائى والعمود الفقرى الذى لا ينحنى.