تخيَّل نفسك مواطنًا مصريًا، اشتريت شقة من محافظة الإسكندرية بعقد رسمي، داخل إحدى عمارات المحافظة المرخَّصة، استلمت شقتك، وأغلقت بابها، وقلت: عندما أقرر السكن سأشطبها وأدخل الكهرباء، مرت الشهور، وحان الوقت لتبدأ تجهيز بيتك الجديد، لكن عندما وصلت... كانت الصدمة، لأن شقتك لم تعد شقتك!
وحَلَّ مكانها مطعم سمك يعمل بكامل طاقته، والكهرباء مُضاءة، وثلاجات التبريد تعمل، بينما تقف أنت خارج الباب تحمل عقد ملكيتك، لا تصدق ما تراه، أول سؤال سيتردد فى ذهنك: إزاى دخلت الكهرباء؟
قد تظن أن هذا مجرد سيناريو لفيلم، لكنه للأسف قضية حقيقية أصبحت اليوم على مكتب المهندس جابر دسوقي، رئيس الشركة القابضة لكهرباء مصر، بعد المطالبة بفتح تحقيق عاجل لكشف كيف تم تركيب عداد كودى داخل شقة مملوكة لمحافظة الإسكندرية، ومَن المسئول عن ذلك.
والمفارقة التى تُثير الدهشة، أن هذه الشقة ليست داخل عقار مخالف أو مبنى عشوائي، بل وحدة سكنية داخل عمارة أقامتها المحافظة، مُرخَّصة بالكامل، واشترى صاحبها وحدته بعقد رسمى من جهة حكومية، أى أنها لا ينطبق عليها من الأصل نظام العدادات الكودية الذى استحدث للتعامل مع العقارات المخالفة والعشوائية، وهنا يفرض السؤال نفسه: كيف صدر لها عداد كودى من الأساس؟
الإجابة تقودنا إلى منصة الكهرباء.
فوفقًا لآلية التقديم الحالية، يرفع طالب الخدمة، صورة لعقد الملكية أو أى مستند يقدمه لإثبات حقه فى الانتفاع، ثم تبدأ إجراءات إصدار العداد، دون وجود نظام تحقّق إلكترونى يربط هذه المستندات ببيانات جهات الولاية أو يتحقق من صحتها قبل منح الخدمة، وهنا تكمن الثغرة؛ فإذا قدم شخصٌ عقدًا مزوَّرًا يدعى به ملكية شقة لا تخصه، فقد يحصل على عداد كودى داخل وحدة لا يملكها، بل ولا ينطبق عليها أصلًا هذا النظام.
صحيح أن العداد الكودى لا ينقل الملكية، لكنه يمنح مغتصب العقار، أخطر ما يحتاج إليه: الأمر الواقع، فالكهرباء تعطى المكان حياة، وتمنح المعتدى مظهرًا من المشروعية، بينما يبدأ صاحب الحق رحلة طويلة بين أقسام الشرطة والنيابة والمحاكم ليسترد شقته.
واليوم، ينتظر الجميع ما ستسفر عنه التحقيقات، ليس فقط لإعادة الحق إلى صاحبه ورفع العداد الكودى الذى منح الحياة لمطعم أُقيم داخل شقة مملوكة لمواطن بأوراق مزوَّرة، وإنما أيضًا لسد هذه الثغرة، حتى لا تتحوّل منصة الكهرباء، التى أُنشئت لخدمة المواطنين، إلى منفذ يستغله المزورون للاعتداء على أملاكهم.


ارحموا مَن فى الأرض
إيمان راشد تكتب: ميزان العدل
غزة بين الموت وأمل الحياة





