عند إنتهاء الحرب العالمية الأولى والثانية خرجت إلى النور منظمات دولية تحمل أسماء كبيرة وشعارات أكبر: السلام، والعدالة، وحقوق الإنسان، وسيادة القانون.
صفق العالم... وصدق الوعد.
لكن ومع مرور الوقت أثبتت أن كثيراً من هذه الشعارات كانت أسهل في الكتابة والكلام منها في التطبيق.
كلما اندلعت حرب، وسالت دماء الأبرياء، وامتلأت الشاشات بصور الأطفال والنساء تحت الأنقاض، استيقظت المنظمات الدولية على عجل، فعقدت الاجتماعات، وأصدرت البيانات، وأعربت عن "قلقها البالغ"... ثم عاد كل شيء إلى ما كان عليه، وكأن الدماء لا تكفي لتحريك الضمير الدولي.
أصبح العالم يعرف مسبقاً سيناريو كل أزمة: جلسة طارئة، كلمات منمقة، دعوات إلى ضبط النفس، شجب واعتراض ، ثم ينتهي المشهد دون أن يشعر الضحية بأن أحداً أنصفه.
المؤلم ليس وجود هذه المنظمات، بل الفجوة بين ما تعلنه من مبادئ وما تستطيع تنفيذه على أرض الواقع. أن تطبيق القانون الدولي يبدو متفاوتا من أزمة إلى أخرى،
وهنا تتراجع الثقة، لأن العدالة لا تُقاس بجنسية الضحية، ولا بقوة الدولة، ولا بحجم النفوذ السياسي، بل بآدمية الإنسان.
لقد تحولت بعض المنظمات، في نظر قطاعات واسعة من الرأي العام، إلى منصات تجيد إصدار البيانات أكثر مما تجيد صناعة المواقف.
فعندما يشعر الإنسان أن المبادئ تُطبَّق بانتقائية، وأن القرارات تتأثر بحسابات السياسة أكثر من اعتبارات العدالة، يصبح القانون الدولي موضع شك .
إن العالم لا يحتاج إلى مزيد من الخطب الرنانة، ولا إلى بيانات تُقرأ أمام الكاميرات ثم تُنسى بعد ساعات المبادئ التي تأسست من أجلها، دون تمييز أو ازدواجية في المعايير.
فالتاريخ لا يحفظ عدد الاجتماعات، ولا عدد القرارات، بل يحفظ مواقفه مع الحق .
ولذلك، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه:
إذا كانت المنظمات الدولية لا تستطيع حماية المبادئ التي قامت من أجلها، ولا إنصاف المظلوم حين يحتاج إلى الإنصاف، فهل أصبحت مجرد حبر على ورق... أم أن الوقت قد حان لإعادة النظر في دورها وآليات عملها، حتى تستعيد ثقة العالم؟


الشطرنج السياسى (2): لبنان والسلام المزعوم
فاتورة الحرب !
لغز أحمدى نجاد





