نشهد ما يحدث الآن تحت مسمى السلام مع الكيان الصهيوني، وما يبرع فى اشتقاقه من مسميات صهيونية تكفل بقاءه، وشرعنة وجوده فما بين مناطق تجريبية، ونموذجية وخطوط مصحوبة بألوان الطيف تعد مسمار جحا لاختلاق أية إشكاليات لإعادة الاحتلال، فلماذا العجب فهذا النهج الصهيونى المعتاد فى التفاوض. فلا ننسى التلاعب الإسرائيلى بتفسير قرار 242 حول صيغة الانسحاب من «أراضى احتلت» ومن «الأراضى التى احتلت»، فإسرائيل وتمسكها بالصياغة الإنجليزية كى تضيع الحق العربى وتاريخها حافل بهذا التلاعب، فهى تجيد التلاعب بالألفاظ وتبرع فى خلق الذرائع والمسميات الرمادية التى تصب فى صالحها أولا وأخيرا.
قد يعتقد البعض أننى متحاملة عما يحدث فى الاتفاق التاريخى الذى وصفه ترامب وبعض القادة المؤيدين له بلبنان، ولكن اسمحوا لى بطرح الآتي:
- اتجهت لبنان للتفاوض تحت مسمى السيادة وأنها هى فقط المنوطة بالتفاوض، وفى الواقع السيادة جزء من بقاء الدولة وفى عرف الشطرنج السياسى هى الملك الذى إذا سقط انتهت لعبة الشطرنج، ولكن المفاوضات اللبنانية مع إسرائيل وضعتنا أمام مفهوم آخر للسيادة، فلم تعد السيادة مطلقة وإنما أضحت مشرعنة لاحتلال الأرض:
■ فهل تستطيع الحكومة اللبنانية انتزاع سلاح فصائل المقاومة؟
■ هل كانت فصائل المقاومة فى فريق التفاوض؟
■ كيف يمكن للجيش اللبنانى الذى لا يمتلك سلاحا جويا وغير مسلح تسليحا مناسبا فموازنته لا تتعدى 80 مليون دولار أن ينتزع سلاح فصائل المقاومة فى حين فشلت إسرائيل وأمريكا فى ذلك؟
■ كيف إذا نجحت فى انتزاع سلاح فصائل المقاومة أن تضمن الحكومة اللبنانية خروج إسرائيل من الأراضى اللبنانية ذات السيادة فى ضوء اتفاق إبراهيمى أكبر يخص تغير إقليمى بالمنطقة ويمهد لاحتلال الأرض تحت مسمى أرض إسرائيل الكبرى «الولايات المتحدة الإبراهيمية»؟
فهل أصبحت السيادة أمرا شكليا فى حين يقبع الاحتلال على الأرض؟ أم أن فصائل المقاومة بيدق تستخدم رمزية وجوده للاستيلاء على السيادة اللبنانية؟
- شمل الاتفاق بند تخلى الطرفين عن رفع قضايا ضد بعضهم البعض فى المحافل الدولية: وهذا يمثل بحد ذاته نجاحا كبيرا لإسرائيل والوسيط الأمريكي؛ فالكيان الصهيونى يخشى دائما من الملاحقات القضائية فى ظل اتهامات متكررة بالإبادة وانتهاك حقوق الإنسان خاصة بعد حرب غزة. فمع نجاح إسرائيل نجد الحكومة اللبنانية تتخلى عن حقوق أبنائها فإسرائيل قد استخدمت اليورانيوم المنضب فى حرب 2006 وفقا للوثائق الإسرائيلية. فهل الحكومة اللبنانية لا تهتم بحقوق شعبها؟ فى حين تشجع إسرائيل مواطنيها على رفع قضايا تعويضات ضد الدول العربية حتى التى وقعت معها اتفاقات إبراهام فبعد توقيع أولى بعض الدول العربية لاتفاقات إبراهام رفع إيدى كوهين قضايا تعويضات على الحكومتين بحجة أنه يمثل الشعب وليس له علاقة بالحكومة فهو مؤسسة مجتمع مدني. فهل تأمن الحكومة اللبنانية عدم توجه كوهين من الأصل اللبنانى برفع قضايا ضدها؟
- الاتفاقات تسمى اتفاقات إبراهام التى تتضمن بندا للدفاع المشترك فهل تأمن لبنان فى ظل عودة وتيرة الحرب مع إيران بألا تكون ساحة أمامية للجيش الإسرائيلى يتلقى خلالها الضربات ويوجهها لإيران ومحورها؟ فهل تأمن الحكومة اللبنانية توقف الحرب فى هذه الحالة؟
- لطالما حاربت لبنان من أجل الدين واحتفاظ كل طائفة بدينها فلماذا الآن توافق الحكومة اللبنانية على الزج بهوية دينية إحلالية تسعى لفرض هوية دينية جديدة تقوم على المشترك وتنحية المختلف عليه؛ للقبول بالمحتل ليصبح الدين المسيحى والإسلامى مختلفا عليه وتنتشر التعاليم اليهودية تحت مسمى المشترك الإبراهيمى لنقبل بالمحتل من منظور الدين؟ فهل لم تعد تتمسك بالدين أم لا تهتم به؟
- الوسيط الأمريكى يخرج علينا بين الحين والآخر متفائلا بما حقق ومبشرا بالإنجاز وهو صادق فما حققه الاتفاق لإسرائيل لا يمكن حصره:
■ فقد اعترفت الحكومة اللبنانية رسميا بإسرائيل.
■ وضعت لبنان يدها مع حكومة الإبادة فى العالم تحت مسمى السلام فأعطت طوق النجاة لنتنياهو مرة أخرى.
■ شرعنت بقاء الاحتلال الإسرائيلى تحت حجة العجز عن سحب سلاح فصائل المقاومة.
■ انضمت للمشروع الأمريكى الأخطر المخطط الإبراهيمى تحت مسمى اتفاقات إبراهام كمقدمة لتشجيع دول أخرى كانت تعارض الاتفاق فأصبح الاتفاق مفتوحا على مصراعيه كتمهيد لتغير إقليمى جديد تحت مسمى «أرض إسرائيل الإبراهيمية أرض الوعد».
■ حيدت الحكومة اللبنانية أية وسطاء آخرين بينها وبين إسرائيل ليبقى فقط الشريط الأمريكى غير العادل المنحاز دوما لإسرائيل.
فما هى ضمانة لبنان من التزام إسرائيل بعدم وجود مطامع لها فى لبنان فى ظل خرائط إسرائيلية وأمريكية بالتقسيم والضم انظروا لخرائط مركز AMERICAN ENTERPRISE INSTIIUTTE ؟
- الجيش اللبناني: أتعجب من تصريحات الدولة اللبنانية بالتمسك بدور المؤسسات الوطنية وما زالت تتمسك بمبدأ «قوة لبنان فى ضعفها» فهل فى ظل المحتل الإسرائيلى الموجود على الأرض ما زال هذا المبدأ قائما؟ لماذا لم يضع الرئيس عون شرط التفاوض ببناء سلاح جوى للجيش اللبنانى وتمويل أمريكا لزيادة الموازنة العامة للجيش اللبنانى وتزويده بالأسلحة المتطورة وقتها يمكن تكرار النموذج العراقى فى حث الميليشيات المسلحة على تسليم سلاحها للجيش؟
- المفاوض اللبناني: أتعجب بأن المفاوض هى شابة جميلة تشغل منصب سفيرة لبنان فى واشنطن فأين فريق التفاوض المتخصص؟ استحضر الذاكرة المصرية فكان الرئيس السادات على رأس فريق التفاوض محاطا بجيش جرار من المفاوضين العسكريين والقانونيين والجغرافيين والدبلوماسيين والمؤرخين... الخ. فهل مع ارتفاع الكفاءات اللبنانية يجعل قدرات السفيرة المتميزة تجب كل تلك التخصصات؟ أم أن الرئيس اللبنانى يتفاوض تحت الحرج؟ أم أنه لا يرغب فى التفاوض فى مسألة سيادية كهذه مع حكومة الإبادة؟ أمر محير فعلا.
- الشعب والنسيج اللبناني: الجميع يتألم من الاحتلال والدم والفقد ولكن لا يقف الجميع مع قرار الحكومة كما تدعى الحكومة بعدم مساندة فصائل المقاومة، فقرار سيادى مثل هذا يتطلب الاحتكام للشعب والإرادة الشعبية لتقرر مصيرها وما ترغب فيه كى لا تقف أمام سيناريو الحرب الأهلية أو التقسيم لا سمح الله والذى ترغبه إسرائيل وإلا كان انسحابها أمرا يسبق تلك الجولات فكان يكفيها ما حققته من مكاسب من قبول الحكومة اللبنانية التفاوض مع ممثل الإبادة الحديثة بالعالم.
كان على الحكومة اللبنانية مراجعة تقديرات العسكريين الإسرائيليين فصدر تقرير عن معهد دراسات الأمن القومى فى إسرائيل يرى أنه بدون الاتفاق الإطارى لم تكن إسرائيل تستطيع أن تستكمل توسعها فى جنوب لبنان عسكريا فلماذا إذا العجلة يا حكومة لبنان الحبيب؟
أعتقد أن الرئيس الوطنى ميشيل عون ورئيس الوزراء نواف سلام يرغبان فى سلام قوى مستدام فعليهما الآتي:
- أى اتفاق يجب ألا يسمى إبراهام.
- رفض بند الدفاع المشترك مع الكيان.
- الإصرار على الانسحاب الفورى ولا الانسحاب من أى اتفاق كى لا نشهد مستوطنات صهيونية بالأراضى اللبنانية.
- الاشتراط ببناء جيش قوى قبيل المطالبة بسحب سلاح فصائل المقاومة ليكون قادرا على استيعاب اللبنانيين المناضلين ليندمجوا فى مؤسسات الدولة الوطنية على النهج العراقي.
- إلزام إسرائيل تحت اتفاق مالى مجحف بخطة زمنية محددة لتمويل المتضررين من الاعتداء الإسرائيلى من المدنيين وإلا سيتم رفع قضايا ملاحقة جرائم حرب فلا يجب أن تتعهد الحكومة اللبنانية بإسقاط حقها فى ملاحقة الصهاينة مقابل قدرتهم على ملاحقتها بدعاوى زائفة.
- إلزام إسرائيل بترسيم حدودها خلال الاتفاق.
- الرفض الشعبى اللبنانى هو أحد كروت التفاوض ومراكز القوة الذى لا يجب إهماله خلال جولات المفاوضات مع الكيان.
- تشكيل ملف تفاوضى قوى عبر فريق عابر للتخصصات يعبر عن مطالب الشعب اللبنانى ومصالح السيادة اللبنانية.
- عقد استفتاء قبيل التصديق على أى اتفاق مع الكيان الصهيوني.
- مناقشة وضع مزارع شبعا فهى جزء من السيادة اللبنانية.
هذا فى إطار إصرار الحكومة اللبنانية على المضى قدما فى اتفاق لا يحمل أى كروت قوة تؤكد السيادة اللبنانية على أرضها كى لا تشرعن بقاء الكيان لا سمح الله على الأرض اللبنانية. حمى الله لبنان وكل الدول العربية.
رئيس قسم الدراسات المستقبلية
بمعهد التخطيط القومى


د. أسامة بيومي يكتب..المنظمات الدولية... حبر على ورق
فاتورة الحرب !
لغز أحمدى نجاد





