طالما ارتبط اسم المؤلف بالكتاب بوصفه الضامن لما يحتويه من أفكار وصياغات، لكن خلف أغلفة بعض الكتب والخطب والسير الذاتية يقف شخص آخر لا يعرفه القارئ، يكتب ويصوغ ويبحث ثم يتوارى طوعًا أو مقابل أجر، تاركًا اسمه خارج المشهد.
إنه «كاتب الظل» أو Ghostwriter، وهى ممارسة قديمة أصبحت مع اتساع صناعة النشر والإعلام مهنة قائمة بذاتها ورغم انتشارها عالميًا، لا تزال هذه الممارسة تثير جدلًا واسعًا حول حدودها الأخلاقية والمهنية، ففى صورتها المشروعة يقتصر دور كاتب الظل على تحويل أفكار صاحب العمل وخبراته إلى نص متماسك، أو مساعدته فى تنظيم المادة وصياغتها، مع موافقته الكاملة، وغالبًا وفق اتفاقات تحفظ حقوق الطرفين، لكن الجدل يبدأ عندما يمتد دوره إلى ابتكار الأفكار وكتابة أعمال إبداعية أو علمية كاملة تُنسب إلى شخص لم يشارك فعليًا فى إنتاجها، فتختلط الحدود بين التعاون المهنى والانتحال، وبين التحرير الأدبى وكتابة الظل، وبين المساعدة البحثية والتأليف الفعلى.. وفى العالم العربى تبدو الصورة أكثر تعقيدًا بسبب غياب الشفافية وعدم وضوح الفواصل بين المحرر الأدبى والمراجع والمساعد البحثى وكاتب الظل، وهو ما يفتح الباب أمام أسئلة تتعلق بالأمانة الفكرية وحقوق الملكية والإبداع، خاصة مع صعود الذكاء الاصطناعى الذى أضاف بُعدًا جديدًا إلى النقاش، فهل تمثل كتابة الظل مهنة احترافية لها ضوابط واضحة، أم أنها باب لتزييف الإنجاز الثقافى والعلمى؟ وأين تنتهى المساعدة المشروعة ويبدأ التضليل؟
كتابة الظل
يرى الناقد د. محمود الضبع أن ممارسة هذه المهنة فعل غير أخلاقى، ويقول: «يجب تجريمها من البداية لأنها تتنافى مع الأمانة التى تمثل أحد أهم أسس الحياة، كما تتنافى مع شروط ومتطلبات فعل الإبداع: الأصالة والمرونة والطلاقة، التى تؤكد ضرورة أن يكون الإبداع ناتجًا عن خيال صاحبه،دون أى شبهة اقتباس أو إعادة استخدام لأفكار الغير».. ويضيف أن الصيغ المتداولة لكتابة الظل تشير إلى أشكال من الاستغلال؛ فقد تعتمد على صاحب سلطة ونفوذ يستغل شخصًا يمتلك فكرًا وإبداعًا، أو صاحب مال يسعى إلى الجاه أو المكانة الاجتماعية، فيبحث عن شخص محتاج يمتلك القدرة على الكتابة، ويتفق معه على أن تكون الكتابة مقابل أجر أو خدمات أو تسهيل مصالح وقد تعتمد أيضًا على الابتزاز العاطفى، كما صورت بعض الأعمال السينمائية، مثل استغلال الزوج لزوجته فى فيلم «The Wife»، أو استغلال الحلقات الأضعف فى المجتمع.. وفى كل الأحوال، يميز الضبع بين كتابة الظل ومهنة المحرر Editor، التى لا تزال الثقافة العربية لا تميز كثيرًا بينها وبين المراجعة والتدقيق اللغوى، فالتحرير مهنة أساسية فى صناعة النشر، ومهمته إجراء تعديلات على الأسلوب، أو تحقيق «فعل المقروئية»، خاصة فى الأعمال المترجمة أو مع المؤلفين الذين لا يمتلكون السلاسة والمرونة فى الأسلوب اللغوى.
ويؤكد أن كتابة الظل تختلف عن ذلك؛ لأنها فى رأيه، «تمثل شكلًا من أشكال السرقة، وإن كانت مدفوعة الأجر أو برضا كاتب الظل، كما تمثل خيانة للأمانة، ومنح من لا يستحقون المكانة التى قد تصل بهم إلى التحكم فى مصالح العباد والبلاد».
تشوه المفاهيم
ومن جانبه قال د. سيد ضيف الله «أعتقد أننا فى عالمنا العربى نشوه المفاهيم عن عمد، فحين نخلط بين مساعد الباحث والمحرر وكاتب الظل، فنحن نغالط وندلس عن عمد؛ لأن هناك فارقًا كبيرًا بين هذه المفاهيم، ولكل منها توصيف وظيفى معروف وله حقوق وعليه واجبات».. ويرى أن الحكم على وجود كاتب الظل يختلف باختلاف السياق؛ ففى الخطابات الرئاسية مثلًا، يمكن قبول وجود كتاب للرئيس، لأن الخطابات عمل مؤسسى، لكن فى الرسائل الجامعية وأبحاث الترقية والإبداع والكتب الفكرية المنسوبة إلى مؤلف واحد، لا يمكن النظر إلى حضور كاتب الظل إلا بوصفه فسادًا.. ويعتبر انتشار الظاهرة «نكسة ثقافية»؛ لأنها تعيدنا إلى الشفاهية، حيث لا وجود للمؤلف الفرد ويكون التأليف جماعيًا، بينما للمحرر الأدبى فى الثقافة الكتابية توصيف وظيفى مختلف عن كاتب الظل، ولكل منهما حقوق وواجبات مادية ومعنوية، ويقول: «لكننا فى ثقافتنا حولناهما إلى كتاب يسرقون كتابات الآخرين ويبيعون ما يسرقون فى سوق سوداء للكتابة».

«دياب» و«حسنى» و«عاشور» يفتتحون الموسم الصيفى «دفعة واحدة»
مى عمر: أقدم «الأكشن كوميدى» لأول مرة
صلاح الجهينى: «الأمير» تجربة عالمية بمواصفات سينمائية





