لست من قاطعى الأرزاق ولا أحب أن أكون لكن هذه قصة رأيتها تتكرر فى شارعى فقط ثلاث مرات حتى أصبح الشارع خانقًا بكل ما فيه
تبدأ الحكاية غالبًا بـ«سباطة موز» هزيلة لا تزيد على دورين، يحملها على كتفه شاب هزيل بجلباب رث وذقن مبعثر وشعر شبه منكوش، ثم بعدها يتغير كل شىء.
فى البداية يظهر الشاب لأول مرة عندما يكون فى زيارة لأحد الأقارب فى «مصر»، ومصر هنا لا تعنى سوى القاهرة فقط ثم من بعدها يتردد هذا الزائر على الشارع مرة تلو الأخرى وهذه المرات ليست لتكرار الزيارة ولكن للمعاينة، يعتاد سكان المنطقة شكل الشاب ويصبح كأنه من أهل الشارع، ثم تتوالى عليه المساعدات والحسنات والسيئات باعتباره غريبًا لا حيلة له ولا ملجأ، ويبادر المحيطون بجمع ما فيه القسمة لمساعدة الشاب على بدء مشروع صغير يبيع فيه ويشترى أى شىء، فى الأثناء يكون الشاب قد التقط ناصية تقاطع مزدحمة لتكون مستقره لتشهد قصة صعود «معلم» جديد.
بائع الموز الشاب المهاجر الذى غادر بلدته فى أقصى الصعيد أو دهاليز بحرى، يستمر الناس فى التعاطف ويتسابقون كل ليلة على شراء كل ما لديه من أصابع موز حتى الفرط منها و»المفعص» يشتريه الناس بأى ثمن يحدده الشاب من باب المساندة، المهم قبل أن ينتهى اليوم يكون الموز قد انتهى ويختفى الشاب حتى نهار اليوم التالى. ما أحب حالة التضامن هذه إلى نفوس المصريين.
تستمر الحالة على ذلك إلى ان يشتد عود الشاب ويقوى، فيحلق ذقنه وتتغير الجلباب الرثة إلى أخرى ناصعة ثم أخرى أكثر نصوعًا ثم تتحول سباطة الموز من دورين إلى ثلاثة ثم أربعة وهكذا حتى يبدو من مدخل الشارع أن شجرة موز عملاقة قد طلعت فجأة فى منتصف الناصية.
ثم بدلًا من «فرشة» الشارع البائسة يظهر تروسيكل يسير على ثلاث عجلات مركونًا فى منتصف التقاطع يحمل الموز وقليلًا من الفراولة، ثم يظهر العنب والشمام والخوخ والجوافة، ثم يحل موسم التين الشوكى اللذيذ فيستضيف الشاب أحد أقاربه الآتى لتوه لـ»مصر» ليسترزق ويبيع التين، فيبدو بنفس الجلباب التقليدية الأولى لبائع الموز فتصير ناصية الموز والتين والعنب، ثم يحل فصل الشتاء ويا محلاها رائحة البطاطا والذرة المشوى، فيرتفع عدد الواقفين على ناصية التقاطع المزدحم إلى أربعة رجال يافعين أولهم لبيع الموز ذلك أن موسم الموز ممتد صيفًا وشتاءً، وبائع الموز هذا يعتبر هو الأب المؤسس، إلى جانبه البطاطا ثم التين ثم الذرة، ويتوسع المشروع من تروسيكل إلى «نصبة» وهكذا.
جميل التضامن مع الساعين للرزق ولكن ماذا عن المارين والعابرين أليس لهم حق فى الطريق؟!
فى الواجهة الضيقة للناصية يحل ضيفًا جديدًا لا يجد ما يمكن بيعه بعدما استحوذ شباب العائلة على كل الفواكه الموسمية، فيركن تروسيكل آخر يبيع «الشباشب والنعال» حتى لا ينافس المعلم بائع الموز، وكلهم أبناء عمومة من بيت واحد.
تعرف؟
فى مرة قريبة حاولت الجهات المسئولة رصف الشارع فرصفوا الطريق وتركوا التقاطع بناصيته، تعرف لماذا؟، لأن «عائلة الموز والذرة المشوى والبطاطا والتين» كانت هناك برابطة المعلم ولم يجسر أحد على إزالتها أو تحريكها سنتيمترات قليلة!
تعرف كم تستهلك عربة التين هذه من مياه لترطيب البضاعة وكيف تسيل هذه المياه لتأكل الأسفلت وتخرق الشارع، وكم يحرق دخان البطاطا والذرة فى صدور النساء والأطفال وأصحاب العلل!
لست من قاطعى الأرزاق ولا أحب أن أكون لكن هذه قصة رأيتها تتكرر فى شارعى فقط ثلاث مرات حتى أصبح الشارع خانقًا بكل ما فيه.
مفاجأة أيضًا لم تكن فى الحسبان ظهرت هى أنه متى ملّ المعلم صاحب الموز من المكان بعدما ضاق الشارع يبحث عن مكان أوسع لكنه لا يترك هذه المساحة خالية بل تعتبر إرثا يورثه هو من يشاء من أبناء عمومته وأقاربه!
هل تعرف أن عربة التين التى تنشع ماء من كل شقوقها تستند إلى بوكس كهرباء عملاق وآخر للاتصالات!، طيب هل تعلم أن شواية الذرة والبطاطا هذه تلتصق بغرفة تفتيش طوارئ الغاز بالمنطقة!، بالطبع تعرف يا عزيزى رئيس الحى وكلنا يعرف، وبينما أنت تقرأ الآن أرى ظهورًا خاصًا لموسم الشمام والبطيخ أيضًا فى نفس التقاطع والناصية، وأسمع «أبو حلاوة يا تين».


د. آمال إسماعيل
هل تفعلها الأندية المصرية بقيادة الأهلى؟!
شرفتونا





