بعد الاختصار

عاجل ومطلوب من حسام حسن

عمرو جلال
عمرو جلال


حتى لا يكون ما تحقق فى المونديال مجرد طفرة عابرة أو إنجاز يطويه النسيان.
 

لم تكن مجرد مشاركة شرفية بل كانت ملحمة كروية أعادت صياغة تاريخ مصر فى المونديال لتمحو عقودا من التعثر وتكتب فصلا جديدا من المجد الرياضي، فمنذ اللحظة التى أطلق فيها الحكم صافرة البداية لمباراة مصر وبلجيكا توحدت نبضات ملايين المصريين والعرب وعشنا حالة نادرة من البهجة والانتماء والترابط الشعبى وامتلأت الشوارع والبيوت بصوت واحد يشجع الفراعنة، وتحول التشجيع إلى مناسبة وطنية جمعت الأجيال كلها من الأطفال إلى كبار السن أمام الشاشات وأثبت المنتخب أن الرياضة قادرة على أن تصنع لحظة وحدة وطنية وقومية عربية حقيقية تتجاوز كل الخلافات وتمنح للناس لحظات سعادة غامرة.

لقد استحقت هذه الكوكبة من الأبطال كل التهنئة والتقدير على إنجاز غير مسبوق فى تاريخ الكرة المصرية وعلى الصورة المشرفة التى قدموها داخل الملاعب الأمريكية وأمام ملايين المتابعين حول العالم.. كما استحقوا تكريم الرئيس عبد الفتاح السيسى فور عودتهم مؤكدًا فخره بما حققوه من إنجاز غير مسبوق، فى مشهد عكس حرص القيادة السياسية على الاحتفاء بكل من يرفع اسم مصر فى المحافل الدولية، ومنح اللاعبين دفعة معنوية للمستقبل.
   منتخب مصر أصبح يمتلك بالفعل كل مقومات المنافسة من روح قتالية وانضباط تكتيكى ومهاجمين أقوياء غير أن الفارق الحاسم بينه وبين المنتخبات التى وصلت إلى الأدوار الأخيرة يكمن تحديدا فى عمق دكة البدلاء فمنتخبات كإسبانيا وفرنسا وإنجلترا اعتمدت فى لحظات حرجة على لاعبين احتياطيين لا يقلون مهارة وجاهزية عن الأساسيين وهو ما مكنها من حسم مباريات صعبة فى الدقائق الأخيرة دون أن يتراجع مستوى الأداء وهذا بالضبط ما يحتاجه الفراعنة ليقفزوا إلى مصاف أفضل منتخبات العالم، دكة احتياط قوية ومتجانسة قادرة على انتزاع الفوز من أى منافس فى أى لحظة والحفاظ على الأهداف، ولضمان تحقيق ذلك فإننا نحتاج وبشدة إلى ربط أكاديميات كرة القدم التى أصبحت منتشرة فى كل أنحاء مصر بكشافين حقيقيين و«جواهرجية» خبراء قادرين على تثمين الخامات المصرية القوية والنادرة، فمن المؤسف أن الأندية الكبرى قد حولت أكاديمياتها إلى مجرد مشروع استثمارى يمنح الأولوية لمن يدفع أكثر على حساب الموهبة، بينما فى الماضى كان الطامحون يأتون من أقصى النجوع والقرى لتأدية الاختبارات وكانت الفرص متاحة دائما لأصحاب المهارات الحقيقية، أما اليوم فلم يعد الوضع كذلك، وهو ما يجعلنا فى أمس الحاجة إلى تدشين مسابقات وطنية شاملة ترعى وتكتشف المواهب الحقيقية وتوفر لها البيئة المناسبة للنمو بعيدا عن لغة المال.

ومن هنا تبرز الضرورة الملحة أن تتحول مهمة حسام حسن من مجرد مدير فنى للمنتخب يقود المباريات ويضع التشكيل بل أصبح عليه دور وطنى أكبر فى وضع خطة شاملة بالتعاون مع المعنيين والمسئولين لاكتشاف المواهب المصرية المدفونة فى كل المحافظات وفى الخارج أيضا، فالعميد حسام حسن يمتلك عين صقر خبيرة وتجربة ميدانية طويلة يستطيع بها فرز أصحاب المواهب الحقيقية والتقاط اللاعبين القادرين على تمثيل الفراعنة وتكوين صف ثان قوى يكون قادرا على حمل الراية فى قادم المواعيد وصناعة الفارق أمام كبار العالم.

نتمنى أن نرى خطوات عملية عاجلة تبدأ بإحياء دورى المدارس والجامعات ليكون المنجم الأول للمواهب مع توفير وسائل سهلة  تتيح للاعبين فى أقصى القرى عرض مهاراتهم أمام لجان رياضية وكشافين، كما يتطلب الأمر تعديل لوائح الأندية لإلزامها بإشراك نسبة من ناشئيها فى الفريق الأول.. الأفكار كثيرة وعلينا استثمار هذا النجاح حتى نضمن استمرارية التفوق ولا يكون ما تحقق فى المونديال مجرد طفرة عابرة أو إنجاز يطويه النسيان بل يجب أن يكون حجر أساس لمشروع رياضى متكامل يضع الكرة المصرية فى مكانتها الطبيعية وبشكل دائم بين كبار العالم ويضمن لنا أجيالا متعاقبة قادرة على حمل الراية ومواصلة كتابة التاريخ فى كل المحافل الدولية القادمة، لذا لابد من إعادة هيكلة منظومة كرة القدم واكتشاف وصقل المزيد من المواهب التى تستحق ارتداء قميص الفراعنة.