تُعد المثابرة من أهم القيم التي تستهدف النظم التعليمية غرسها في مختلف دول العالم، فهي ليست مجرد صفة شخصية، بل أحد أهم محددات نجاح الإنسان في حياته العلمية والعملية والاجتماعية.
المثابرة هي القدرة على الاستمرار رغم الإحباط، وتحمل الضغوط، ومواجهة الإخفاقات، ومقاومة كل ما يحاول كسر العزيمة. إنها القدرة على مواصلة الطريق عندما تصبح الظروف أكثر صعوبة، وليس عندما يكون النجاح مضمونًا.
ولعل قصة كفاح محمد صلاح تمثل أحد أكثر النماذج المصرية إلهامًا. فهي ليست مجرد قصة لاعب كرة قدم عالمي، بل قصة إنسان استطاع أن يتجاوز التحديات الاجتماعية والمهنية والمادية، وأن يحول العقبات إلى دوافع، ويحافظ على مكانه في قمة المنافسة لسنوات طويلة بفضل العمل الجاد والانضباط والمثابرة.
الحياة الحقيقية ليست مفروشة بالورود. لن تجد كل الأبواب مفتوحة أمامك، ولن يعاملك الجميع بالعدل والإنصاف، ولن تجد دائمًا من يساندك أو يؤمن بقدراتك. لذلك، فإن القدرة على الصمود والاستمرار ليست خيارًا، بل ضرورة.
ولا يكفي أن تكون مبدعًا أو مبتكرًا حتى تنال التقدير أو تجد الموارد التي تحقق بها أحلامك. ومن هنا تأتي أهمية النظام التعليمي، ليس فقط في نقل المعرفة، وإنما في إعداد الشباب لمواجهة واقع الحياة، وغرس قيم العزيمة والإصرار والمثابرة، وتعويدهم على أن النجاح يأتي بعد محاولات متكررة، وتعلم مستمر من الأخطاء، وتحسين دائم للأداء.
وينبغي أن تنعكس هذه الفلسفة على منظومة التعليم بأكملها، بما في ذلك أساليب التقييم. فالطالب يحتاج إلى فرص حقيقية للتحسين، والاستفادة من التغذية الراجعة (Feedback)، وإعادة تطوير واجباته ومشروعاته حتى يصل إلى المستوى المطلوب. أما التساهل المستمر في معايير التقييم، فإنه لا يصنع التميز، بل يؤدي في النهاية إلى تراجع مستويات الأداء والإنجاز.
التحدي ليس عائقًا، بل جزء أصيل من معادلة بناء إنسان قادر على المواجهة وتحمل المسؤولية. ولذلك فإن المثابرة هي سر النجاح طويل الأمد.
خلال رحلتي الأكاديمية والمهنية، التقيت بباحثين متميزين فقدوا الأمل بسبب قسوة الظروف أو ظلم بعض المشرفين أو محدودية الإمكانات. ورأيت أفكارًا ومشروعات واعدة توقفت بعد محاولتين أو ثلاث لأنها لم تحقق نتائج سريعة، كما شاهدت مواهب استثنائية انطفأت لأنها لم تجد من يؤمن بها أو يدعمها.
في كل هذه القصص، كانت المثابرة هي الفارق الحقيقي بين من توقفوا… ومن واصلوا حتى نجحوا.
لهذا، فإن مسؤوليتنا اليوم لا تقتصر على تعليم أبنائنا العلوم والمعارف، بل تمتد إلى بناء شخصياتهم، وغرس قيم المثابرة والعزيمة والانضباط والمرونة، حتى يصبحوا قادرين على صناعة مستقبلهم مهما كانت التحديات.
المثابرة ليست طريقًا إلى النجاح فحسب… بل هي أسلوب حياة.

أحمد عيسى يكتب: ماذا بعد الاحتفالات؟
شُغل عِيال
الفرق بين الوحدة والعزلة






