رأيت أطفالًا يَغزلوُن بأصابعهم الصغيرة لوحات من خوص النخيل ملونة جميلة مُذهلة، يجلسون تغمرهم سعادة مُفرطة فى ظِل الشمس على بحر النيل فى أسوان، الطمى خِصب رايق تحت أقدامهم الحافية وأسنانهم بيضاء تُضحك وجوه سمراء لا مثيل لجمالها، أولاد وبنات وفى الخلفية أمهات وجدات يعملن بِهمة وبينهن حكايات وثرثرة لا تنتهى وفى أيديهن منتجات بديعة من الخوص مرصوصة فى إغراء للاقتناص.
الأمهات لم يعلمن الأطفال فن الغَزل، تركن لهم عيدان الخوص والتقط الأطفال العيدان والصنعة والسر والبهاء والانطلاق والبراءة. حتى أننى حين اشتريت اقتنيت شُغل العيال فهو الأجمل المصنوع بسحر الطفولة ورحابتها، مُتقن اتقان عيل دؤوب سارح فى البراح بين آلاف النخلات الطالعة فى عنان السماء، ثقافة أطفال النيل البراح والبراءة، يحلو كل ما يصنعونه بينما يلعبون وبين الظهر والعصر وتحت ألف ضُليلة نخل مُدلة منها سُبط تَنضج ببطء لذيذ.
خيال الأطفال هو ماقال عنه الرسام العبقرى بابلو بيكاسو (أننى أبذل جهدًا كبيرًا لكى تُصبح لوحاتى من خيال طفل)، يولد الأطفال خاصة فى القُرى الموجودة على حافة صحراء ومُحازاة نهر وقُرب بحر بعيون خُرافية الأفكار، بحيث إذا أُتيحت لهم أول أدوات الإبداع بنوا من الرمل قصورًا جميلة وصنعوا من غصون الأشجار لعبًا يتسلون بها.
من عامين فى العُمر يمكنك أن تكتشف بسهولة كيف لكل الأطفال موهبة خلط الألوان وخطوط لا تستطيع تقليدها مهما حاولت من حلاوة بساطتها وعفويتها.
يملك الأطفال مُعجزة ما، مُعجزات فنية نراها بوضوح فى أطفال أسوان وهم يلعبون بالخوص وأطفال سيوة وهم يلهون بالرمال وأطفال رشيد وهم يلونون بالطمى وأطفال الواحات وهم يُبدعون بالحجر.
وهكذا، ينطلق الأطفال دون اتفاق مُسبق، فقط عُمر صغير وبراح كبير وطبيعة وفراغ وموهبة، فتبدع أصابعهم كل يوم (كل يوم تصور) آلاف القطع الفنية، تذهب هباء وسط آلاف القطع التى يصنعها الكبار بأيد مُحترفة.
ماذا لو استطعت جمع ما يصنعه الأطفال وفرزه بعيدًا عما ينتجه الكبار؟ عندى مشروع أحاول أن أكونه منذ سنوات هو أن أُصبح مُقتنيا لشغل أيد العيال من كل حافة طبيعة فى مصر، من كل حالة لمواهب صغيرة نَميسة نابهة، فى يوم ما أحلم أن أمتلك أول متحف (شُغل عيال).

الفرق بين الوحدة والعزلة
ما أعظمها من خسارة
فتحي سند يكتب: لا مؤاخذة






