لم تعلم أن اليوم الذي ودعت فيه والدتها للمرة الأخيرة، سيكون بداية رحلة طويلة من الألم.. طفلة لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها، كان أقصى ما تحتاجه بعد وفاة أمها حضنًا يخفف عنها اليتم، وكلمة طيبة تعينها على الحياة، لكنها بحسب ما روته في التحقيقات، وجدت نفسها تواجه واقعًا مختلفًا تمامًا؛ واقع تحول فيه المنزل إلى مكان تخشاه، والأب الذي كان يفترض أن يكون سندها إلى مصدر للخوف، فيما أصبحت السلاسل الحديدية والضرب والجوع جزءًا من تفاصيل يومها.

تستيقظ ريم كل صباح وهي لا تعلم إن كان اليوم سيمر بسلام أم سيكون موعدًا جديدًا مع الضرب أو مع قيود حديدية تٌحكم حول جسدها الصغير أو مع قطعة من الخبز الجاف ستكون طعامها الوحيد، لم تكن أحلامها تدور حول المدرسة أو صديقاتها أو مستقبلها بقدر ما كانت تتمنى فقط أن تمر الساعات دون أن تسمع صوت والدها وهو ينادي عليها.. تنتظر الليل كما ينتظر السجين نهاية يوم طويل، ثم تنام وهي لا تعرف إن كانت ستستيقظ في الصباح على وجع القيود أم على وجع الضرب.
سنوات مرت وهي تعيش بين جدران تخفي حكاية مؤلمة لم يسمعها أحد، حتى جاءت اللحظة التي قررت فيها الهروب، لتخرج من المنزل حاملة آثارًا على جسدها، وقصة يصعب على أي إنسان أن يتخيلها.. قصة ريم طفلة كفر الشيخ التي تعرضت لأبشع أنواع التعذيب على يد والدها وزوجته.
بداية المأساة
بداية القصة أو المأساة عندما انتشر منشور عبر مواقع التواصل الاجتماعي؛ يتضمن ادعاء قيام أحد الأشخاص وزوجته بالتعدي على نجلته واحتجازها داخل منزلها بمحافظة كفر الشيخ.. تحركت وزارة الداخلية وكشفت الملابسات.
وأوضحت الوزارة في بيان رسمي، أن مركز شرطة سيدي سالم تلقى في الخامس عشر من يونيو، بلاغًا من خالة الفتاة، أفادت خلاله بتعرض ابنة شقيقتها للاعتداء على يد والدها وزوجته، حيث كانت تقيم معهما عقب وفاة والدتها.
وبحسب بيان الداخلية، أسفرت التحريات عن تعرض الفتاة للضرب، ما تسبب في إصابتها بكدمات وجروح متفرقة، ونقلت إلى المستشفى لتلقي العلاج، قبل أن تتمكن قوات الأمن من ضبط الأب وزوجته، اللذين أقرا بارتكاب الواقعة، وقررت النيابة العامة حبسهما على ذمة التحقيقات.
لكن ما كشفه بيان وزارة الداخلية لم يكن سوى بداية القصة، إذ حملت أقوال الطفلة تفاصيل أكثر قسوة عن سنوات قالت إنها عاشتها داخل منزل والدها.
جلست الطفلة ريم صاحبة الخامسة عشر عامًا، أمام وكيل النيابة تسرد تفاصيل العذاب الذي تعرضت له، فقالت: «بدأت حياتي تتغير بعد وفاة والدتي عام 2016، وأنا مازلت طفلة صغيرة، وبعد عام واحد فقط تزوج والدي من امرأة أخرى وانتقلنا جميعا أنا وأشقائي محمد ورانسي لنعيش في منزل جديد مع والدي وزوجته».
وأضافت ريم: «مرات أبويا اللي اسمها ريهام مش بتحبني ومن ساعة ما نقلنا مع أبويا من القصابي لأبو غنيمة وهي بتحكيله أن أنا وحشة ومش بسمع الكلام وأني حاولت أخد محمد ورانسي ونسيب البيت فهو بدأ زمان يضربني وبعد كده الموضوع بدأ يكبر مع الوقت وبقاله حوالي أكتر من شهر بيجيب جنزير جديد ويربطني من رجلي في ترابزين السلم ويحطلي أكل عيش ناشف ويحدفهولي ويسيبني مربوطة بالساعات».
صمتت الطفلة المسكينة وكأنها تتذكر تلك اللحظة التي تعرضت فيها للعذاب، التقطت أنفاسها واستكملت: «الفترة الأخيرة ومن حوالي أسبوعين جاب خرزانة وعصا خشبية وكان بيربطني بالجنزير الحديد في درابزين السلم ويضربني هو ومراته كل واحد فيهم معاه عصايه خشبية وخرزانة ويبدلوهم مع بعض، وفي يوم نسيوا التوكة بتاعت الربط متوسعة شوية من عند رجلي الاتنين ولما نزلوا الشقة، عرفت أعدي رجلي من الجنزير وهربت لبيت خالتي وأخدتني وعملنا المحضر».
*فسألها وكيل النيابة، متى وأين حدث ذلك؟
الضرب حصل على مدار الأسبوعين اللي فاتوا كلهم.
*من كان برفقتك آنذاك؟
أنا كنت لما بضرب ببقى لوحدي.
*حددي لنا الأدوات والأسلحة التي كانت يحوزها سالفي الذكر تحديدا؟
سلاح أبيض، خشبة حوالي نص متر، خرزانة، والجنزير اللي بيربطوني به.
*ومن أين تحصل المتهمان سالفي الذكر على الأدوات والأسلحة؟
معرفش.
*حددي لنا مواضع الإصابات التي لحقت بك من جراء ذلك التعدي؟
في وشي وفي راسي من فوق ودراعي اليمين والشمال وضهري كله ورجلي اليمين والشمال.
*حدد لنا عدد الضربات التي كالها المتهمان سالفي الذكر؟
مقدرش أحددها لأنهم بيضربوني ضرب عشوائي في جسمي كله من أول راسي لغاية رجلي.
اعتراف الأب
أما الأب نفسه، فوقف أمام وكيل النيابة يعترف بتفاصيل جريمته البشعة التي ارتكبها في حق فلذة كبده، فقال: «أنا اتجوزت مراتي الجديدة ريهام عام 2017 بعد وفاة زوجتي الأولى عبير سنة 2016، وأخدت عيالي كلهم عشان أربيهم معايا وتكون أم ليهم، وأيوه أنا ضربت ريم بعصا خشبية حوالي نص متر على ضهرها وكنت بتنرفز عليها وألطشها على وشها، وخلال الفترة دي كنت بجيب جنزير صغير من الحداد وكنت بربطها من أي رجل ليها في ترابزين السلم الحديد بتاع البيت».
وبعد استماع النيابة لأقوال الطفلة ريم واعترافات الأب، أمرت بحبس الأب وزوجته 15 يوما على ذمة التحقيقات.
تولى أسامة خليل المحامي، الدفاع عن حق المحني عليها، وقال: «أتابع القضية منذ اللحظة الأولى، ما تعرضت له الطفلتان جريمة بشعة لا يمكن تبريرها أو السكوت عنها، فالطفلة ريم وصلت للمستشفى وهي تعاني من حالة هزال شديد وضعف عام، إلى جانب وجود إصابات وجروح متفرقة وملتهبة بمناطق مختلفة من الجسم، ما استدعى التدخل الطبي السريع وتقديم الرعاية اللازمة لها، ورغم أن حالتها الصحية تتحسن إلا أن حالتها النفسية سيئة جدًا، ما تعرضت له يفوق الوصف».
وأضاف: «تحريات المباحث أثبتت صحة الواقعة، كما جاء تقرير الطب الشرعي ليكشف حجم المأساة، بعدما أثبت وجود أكثر من 30 إصابة متفرقة في جسد الطفلة ريم، فضلًا عن الإصابات التي تعرضت لها شقيقتها رانسي، بما يعكس حجم العنف الذي تعرضتا له».
واستكمل: «الأب لم ينكر ما فعله واعترف تفصيليا، وتم حبسه هو وزوجته 15 يوما، ولن نتنازل عن حق الطفلتين، وسنواصل اتخاذ جميع الإجراءات القانونية حتى ينالا حقهما كاملًا، ونحن على ثقة بالقضاء العادل».
اقرأ أيضا: القبض على أسرة أجنبية عذبت طفلتها حتى الموت بأكتوبر
كتاب رجل الأقدار| شهادة 3 من وزراء الداخلية توثق أخطر مرحلة في تاريخ مصر الحديث
ضربة أمنية موجعة لتجار الدواء المهرب
بعد أن حصدت 3 أرواح.. فريق متخصص في مطاردة الزواحف تمكن من اصطياد 7 أفاعي






