الغربية: ماجدة شلبى
بين جشع يملأ القلوب وعيون ساهرة تحمي البيوت، تظل صحة المواطن البسيط هي المحك والمعركة الحقيقية، ففي الوقت الذي غابت فيه الضمائر وانحدرت الإنسانية لدى البعض إلى حد تحويل مخلفات الذبح والأحشاء وفضلات الدواجن إلى «سموم سائلة» تباع للمواطنين كزيوت طعام، كانت أجهزة الدولة ومؤسساتها الرقابية بالمرصاد، بفضل يقظة وتنسيق حاسم، تمكنت الأجهزة المعنية بمحافظة الغربية من محاصرة ودك أحد أخطر معاقل الغش التجاري وإحباط توزيع هذه الكارثة الغذائية وملاحقة القائمين عليها قبل ثوان معدودة من طرحها في الأسواق وتسللها إلى بيوتنا ومطاعم شبابنا وأطفالنا.
هذه المواجهة الحاسمة لم تكن مجرد حملة تفتيش عابرة، بل جاءت ترجمة لـ»وعود قاطعة» قطعها المسئولون على أنفسهم أمام المواطن؛ حيث تعهد اللواء الدكتور علاء عبد المعطي، محافظ الغربية، بالحسم الكامل وعدم التهاون مع أي منشأة تعمل خارج القانون، وهو ما أكده المهندس ناصر عفيفي، وكيل وزارة التموين، باعتبار هذه المعركة حربًا مستمرة على مدار الساعة لردع المخالفين، ومن جانبها، وضعت الدكتورة نعمة عارف، وكيل وزارة الطب البيطري، خطوطًا حمراء لحماية الصحة العامة من مخاطر هذه المخلفات الحيوانية، فيما أكدت المهندسة حنان عامر، ممثلة هيئة سلامة الغذاء، أن المنظومة الرقابية ستظل خط الدفاع الأول لحماية المستهلك من أي خطر محتمل.
كيف بدأت الخيوط؟ وكيف تدار هذه الجريمة الإنسانية في الظل؟ التفاصيل الكاملة تكشفها السطور التالية.
القضية بدأت كما تبدأ أغلب القضايا الكبرى بمعلومات وتحريات وشكوك بلاغات ومؤشرات متكررة وصلت إلى الجهات الرقابية بمحافظة الغربية أشارت إلى وجود نشاط غير مشروع داخل منشأة غير مرخصة تعمل بعيدًا عن أعين الرقابة، المعلومات الأولية تحدثت عن تداول منتجات غذائية مجهولة المصدر مع وجود شبهات حول أنشطة غير قانونية مرتبطة بإعادة تدوير منتجات ذات أصل حيواني.
بدأت الجهات المعنية في التحرك وتم تكثيف أعمال الرصد والتحري إلى أن تشكلت لجنة مشتركة ضمت مديرية التموين ومديرية الطب البيطري والهيئة القومية لسلامة الغذاء، الهدف كان واضحًا: كشف حقيقة ما يحدث داخل هذا المكان لكن أحدًا لم يتوقع أن تكون الحقيقة بهذا القدر من الصدمة.
كميات كبيرة
وفي لحظة المداهمة انكشف المشهد بالكامل المكان يعمل خارج القانون لا تراخيص لا بيانات لا اشتراطات صحية ولا أي التزام بمعايير السلامة الغذائية، كل شيء بدا وكأنه يدار في الظل، أسفرت الحملة عن ضبط طن و350 كيلوجرامًا من الدواجن المشتبه في صلاحيتها للاستهلاك الآدمي، المضبوطات لم تكن تحمل بيانات واضحة توضح المصدر أو تاريخ الذبح أو الصلاحية، لكن المفاجأة الأخطر لم تكن فقط في كمية الدواجن المضبوطة بل فيما كشفته المعاينة التفصيلية داخل المكان؛ فقد تبين أن القائمين على المنشأة لا يكتفون بتجميع أو تخزين دواجن في ظروف غير صحية بل يمارسون نشاطًا أكثر خطورة نشاط يقوم على جمع دهون الدواجن المذبوحة ومخلفات الذبح وبقايا الأحشاء ثم تبدأ المرحلة الأخطر وهي الإذابة، حيث تُجمع الدهون داخل أوعية ضخمة ثم تُعرض لدرجات حرارة مرتفعة حتى تتحول إلى سائل زيتي وبعد ذلك يعاد تعبئة الناتج تمهيدًا لطرحه في الأسواق منتج يبدو ظاهريًا كزيت طعام لكنه في الحقيقة خليط شديد الخطورة مجهول المصدر.
في ظاهر الأمر قد تبدو الفكرة غير قابلة للتصديق لكن الواقع كشف أن الجريمة تُدار بمنهجية واضحة البداية تكون بمخلفات لا تصلح للاستهلاك الآدمي دهون أحشاء بقايا ذبح ومخلفات حيوانية يفترض التخلص منها وفقًا لاشتراطات صحية صارمة بدلًا من الإعدام الآمن، تدخل هذه المخلفات إلى دورة أخرى يتم تجميعها وفرزها ثم تبدأ عملية التسخين وتذويب الدهون ينتج عنه سائل زيتي يشبه زيت الطعام بعدها تأتي مرحلة التعبئة وفي النهاية يصبح المنتج جاهزًا للبيع، الخطر الحقيقي هنا أن المستهلك العادي غالبًا لن يتمكن من اكتشاف الأمر بسهولة بل حتى بعض المتعاملين قد لا يدركون طبيعة المنتج الذي يشترونه وهنا تتحول الجريمة إلى تهديد واسع النطاق فهذا الزيت قد يجد طريقه بسهولة إلى مطاعم الوجبات السريعة أو محال الأطعمة التي تبحث عن تقليل التكلفة وتحقيق هامش ربح أعلى وفي النهاية من يدفع الثمن؟، المواطن وحده.
المتخصصون في سلامة الغذاء يؤكدون أن الخطر هنا يتجاوز بكثير فكرة الغش التجاري التقليدي، إعادة تدوير الدهون الحيوانية بطرق غير صحية قد ينتج عنها مركبات شديدة الخطورة، خاصة وان هذه الزيوت تحتوي على: بكتيريا ضارة، شوائب عضوية، مركبات سامة ناتجة عن التحلل، مواد مؤكسدة ضارة بالصحة، ويؤكد المتخصصون أن المضاعفات المحتملة قد تبدأ بأعراض تبدو بسيطة مثل اضطرابات بالمعدة آلام معوية أو تسمم غذائي، لكن الأمر قد يتطور إلى مشكلات صحية أكثر خطورة مع الاستخدام المتكرر، وهنا تتحول المسألة من مخالفة إلى تهديد حقيقي للصحة العامة، فكل وجبة قد تحمل خطرًا غير مرئي، وكل عبوة مجهولة المصدر قد تخفي وراءها قصة غش أكبر مما نتخيل.
تكثيف الحملات
أكد اللواء الدكتور علاء عبد المعطي محافظ الغربية؛ أن المحافظة مستمرة في تكثيف الحملات الرقابية على الأسواق والمنشآت الغذائية بمختلف مراكز ومدن المحافظة، وشدد على عدم التهاون مع أي مخالفات تمس صحة المواطنين أو تهدد سلامتهم، وقال إن الدولة تتعامل بمنتهى الحسم مع المنشآت التي تعمل خارج الإطار القانوني أو تتلاعب بالمنتجات الغذائية.
وأضاف؛ أن الحملات المشتركة مستمرة بصورة يومية لضبط الأسواق والتأكد من وصول غذاء آمن وسليم للمواطنين، فصحة المواطن تمثل أولوية قصوى وأن الردع القانوني سيكون حاسمًا تجاه أي مخالفات.
من جانبه أكد المهندس ناصر عفيفي وكيل وزارة التموين بالغربية؛ أن الحملات الرقابية مستمرة على مدار الساعة لضبط الأسواق ومواجهة جميع صور الغش التجاري والتلاعب بالسلع الغذائية، وقال إن القضية الأخيرة التي تم ضبطها بالمحلة الكبرى تكشف بوضوح حجم التحديات التي تواجه الأجهزة الرقابية خاصة مع لجوء بعض المخالفين إلى أساليب متطورة في الغش بهدف تحقيق أرباح سريعة وغير مشروعة.
وأضاف؛ ما ضبط في هذه القضية يؤكد أننا أمام محاولات خطيرة للتلاعب بالغذاء بشكل مباشر الحملات الرقابية مستمرة يوميًا وهناك متابعة دقيقة لكافة الأسواق والمنشآت الغذائية ولن نسمح بمرور أي مخالفات تهدد صحة المواطن.
وأشار إلى أن مديرية التموين بالغربية تعمل بالتنسيق الكامل مع مختلف الجهات المعنية لضبط الأسواق، مؤكدًا أن مواجهة الغش التجاري لم تعد مجرد حملات تقليدية بل أصبحت معركة مستمرة تحتاج إلى يقظة كاملة وسرعة في التحرك.
وأوضح أن الردع القانوني يمثل عنصرًا أساسيًا في مواجهة هذا النوع من الجرائم خاصة أن البعض لا يتورع عن تعريض حياة المواطنين للخطر مقابل مكاسب مادية، فلا تهاون مع أي منشأة تعمل خارج القانون أو تتلاعب بالغذاء.
وفي ملف شديد الحساسية مثل المنتجات ذات الأصل الحيواني يصبح دور الطب البيطري عنصرًا حاسمًا في حماية الصحة العامة، من جانبها، أكدت الدكتورة نعمة عارف وكيل وزارة الطب البيطري بالغربية؛ أن ما ضبط في هذه القضية يمثل واحدة من أخطر صور الغش الغذائي التي رصدت مؤخرًا.
وقالت إن المنتجات الحيوانية تخضع لرقابة صارمة نظرًا لحساسيتها وتأثيرها المباشر على صحة الإنسان، فالتعامل مع المنتجات ذات الأصل الحيواني لا يحتمل أي تجاوز هناك اشتراطات واضحة وصارمة وأي مخالفة في هذا الملف قد تتحول إلى خطر مباشر على الصحة العامة.
وأوضحت؛ أن المخلفات الحيوانية لا يجوز بأي حال من الأحوال إعادة استخدامها خارج الإطار المخصص لها خاصة إذا تعلق الأمر بتداولها في صورة قد تصل إلى الغذاء، فهذه المخلفات إذا لم يتم التخلص منها وفقًا للإجراءات السليمة قد تتحول إلى بيئة خصبة للتلوث ونقل الأمراض.
وتابعت مؤكدة ان خطورة ما ضبط لا تكمن فقط في المخالفة نفسها بل في احتمالات الضرر الناتجة عنها نحن نتعامل مع قضية تمس صحة المواطن بشكل مباشر، وشددت على استمرار الحملات البيطرية بالتنسيق مع الجهات المعنية لضبط أي منشآت مخالفة تعمل خارج القانون.
وفي إطار المنظومة الرقابية تلعب الهيئة القومية لسلامة الغذاء دورًا محوريًا في مراقبة جودة وسلامة المنتجات المتداولة بالأسواق، وهنا تؤكد المهندسة حنان عامر أن الرقابة الصارمة على الغذاء تمثل خط الدفاع الأول لحماية المستهلك، وقالت إن أي منتج غذائي مجهول المصدر أو غير مطابق للمواصفات يمثل تهديدًا مباشرًا للصحة العامة.
وأضافت: سلامة الغذاء ليست رفاهية بل ضرورة أساسية لحماية المجتمع، وأي منتج مجهول المصدر يجب التعامل معه باعتباره مصدر خطر محتمل حتى تثبت سلامته.
وأشارت إلى أن الهيئة تتعامل بجدية كاملة مع أي معلومات أو بلاغات تتعلق بوجود مخالفات غذائية، والتنسيق بين التموين والطب البيطري وسلامة الغذاء والأجهزة الأمنية يمثل عنصرًا حاسمًا في كشف مثل هذه القضايا.
***
في النهاية، إن نجاح أجهزة الدولة في إحباط هذه الكارثة قبل وصولها إلى بطون المواطنين يثبت أن اليقظة الرقابية هي حائط الصد المنيع أمام جشع لا يرحم، لكن المواجهة تظل دائمًا مسؤولية مشتركة؛ فالوعي المجتمعي والإبلاغ الفوري عن أي تحركات مشبوهة هما السلاح الأقوى لمساندة جهود الدولة، فالأمر هنا لا يتعلق فقط بضبط عبوات مغشوشة، بل بحماية حق الإنسان في غذاء آمن، وحق المجتمع في حياة خالية من الأوبئة والسموم.
اقرأ أيضا: تموين الغربية يضبط 308 بطاقات تموينية وماكينة مخبز

حملات مواجهة الفساد فى العراق مستمرة
كتاب رجل الأقدار| شهادة 3 من وزراء الداخلية توثق أخطر مرحلة في تاريخ مصر الحديث
ضربة أمنية موجعة لتجار الدواء المهرب





