إنهــا مصـــــــر

من «التمثيل المشرّف» إلى «القتال بشرف»

كرم جبر
كرم جبر


ما قدمه المنتخب المصرى فى بطولة كأس العالم، هو إعلان عن ميلاد شخصية جديدة تعرف كيف تنافس، وتفرض احترامها على العالم، ولأول مرة انتقل المنتخب «التمثيل المشرف» إلى «القتال بشرف».


أعاد المنتخب الثقة إلى الجماهير، ورسخ قناعة بأن مصر قادرة على صناعة الإنجاز، عندما تتوافر الإرادة والإخلاص وروح الانتماء، وكان على بُعد خطوات، من كتابة فصل جديد فى تاريخ الكرة المصرية، بعدما وقف شامخًا أمام الأرجنتين، بطلة العالم، وكان قاب قوسين أو أدنى من اقتحام نادى الثمانية العظماء. 


والمكسب الأكبر كان أيضًا فى الجماهير العربية، التى توحدت خلف المنتخب المصرى، وهى لا تمنح قلبها إلا لمن يقاتل، وأصبح المنتخب المصرى بطلًا عربيًا، وقدم نموذجًا للشجاعة والإصرار، وأثبت أن البطولات تبدأ من الروح، قبل أن تُكتب على لوحات النتائج.


ومن أكثر المشاهد تأثيرًا، كانت مظاهرات الفرح التى انطلقت فى غزة، وسط الحطام والركام، وفى مدينة أثقلتها الجراح، وجد الناس فى أداء أبناء النيل نافذة للأمل، ولحظة نادرة يتغلب فيها الفرح على الألم، وتلك الصور لم تكن مجرد احتفالات رياضية، بل رسالة تؤكد أن الرياضة، لغة إنسانية قادرة على جمع القلوب، وأن انتصار مصر هو انتصار لكل عربى.


وفى الولايات المتحدة، كتب المصريون ملحمة من الوفاء والانتماء، حين حولوا الشوارع إلى لوحات وطنية، ترفرف فيها الأعلام المصرية، وتتزين بقمصان المنتخب، وتتردد الهتافات التى أعادت للأذهان أجواء شوارع القاهرة، وأثبت أبناء مصر، أن المسافات لا تستطيع أن تنتزع حب الوطن من القلوب، وأن الانتماء الحقيقى يظهر فى لحظات الفخر.


ويُحسب للمدير الفنى حسام حسن، أنه ينتمى إلى مدرسة لا تعترف بعقدة الكبار، وحقق نتائج طيبة، أمام منتخبات قوية مثل روسيا وإسبانيا وبلجيكا ونيوزيلندا وأستراليا، سواء فى المباريات الودية أو الرسمية، مؤمنًا بأن كرة القدم لا تعترف بالأسماء، وإنما بالعطاء داخل الملعب. 


والبطولة الأخيرة لا ينبغى النظر إليها باعتبارها نهاية المشوار، بل هى صافرة البداية لمشروع كبير يستهدف استعادة زعامة الكرة الإفريقية، وبناء منتخب قادر على المنافسة عالميًا، عبر اكتشاف مواهب جديدة تحمل الراية فى السنوات المقبلة.


والاحتفاء بالإنجاز لا يعنى تجاهل الأخطاء، فالنقد البنّاء هو الوجه الآخر للنجاح، ومن حق الجميع أن يناقش السلبيات بروح مسئولة، بعيدًا عن التشكيك أو الهدم، حتى تتحول الدروس المستفادة، إلى مكاسب حقيقية فى المستقبل، وحان الوقت لإطلاق مبادرات رياضية تعيد نشر ثقافة التسامح، وتطوى صفحة التعصب، وتتجاوز الانقسام التقليدى بين الأهلى والزمالك، ليصبح الموسم المقبل نموذجًا للمنافسة الشريفة.


ويبقى الإعلام الرياضى شريكًا فى صناعة المستقبل، وعليه أن يتحمل مسئوليته التاريخية فى ترسيخ الروح الرياضية، وأن يبتعد عن التعصب وإثارة الفتن والكراهية بين الجماهير.. بداية عهد جديد تستعيد فيه الكرة المصرية مكانتها الطبيعية بين الكبار.