فكرة «الهجرة» من أسمى وأرقى ما يصل إليه الإنسان من أفكار عملية وعميقة لتقويم وتصويب حياته وإصلاح ذات البين.
فالعقلاء والعظماء وأصحاب الآلام والأوجاع والأسقام مارسوا «الهجرة»، سواء كانوا رُسلاً وأنبياء، أو مفكرين ومُصلحين، أو كل من كل قرر النجاة بنفسه من أتون علاقات مؤذية وظالمة وجائرة..
هاجر الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وترك قومه بعدما آذوه وآلموه، وهاجر السيد المسيح عليه السلام والسيدة مريم والعائلة المقدسة وتركوا القوم الظالمين، وهاجر سيدنا موسى عليه السلام بعد ملاحقات الظالمين، وهاجر آل البيت الكرام هربا من الظلم والجور ومن قيل سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
الكل يُهاجر ويُغادر لأُناس جُدد وحياة جديدة وعلاقات وبدايات جديدة.
والهجرة المقصودة هنا ليست «الهجرة المكانية» فقط، وإنما الهجرة بالمفهوم الشامل ومنها وأهمها «الهجرة النفسية» التى تعنى الترك والمغادرة وفك التعلق وطلب العوض من الله والتوفيق.
وليس مهما فى حالة «الهجرة النفسية» الوقوف عند من هو صاحب قرار الهُجران أو الوقوف عند الظالم ولماذا ظلمك، اطلب العوض ودافع عن حقك ببدايات جديدة .. المهم أن تُهاجر.
ويبقى استخدام «الانسحاب التدريجي» فى التخلص من العلاقات السامة والمؤذية إلى حياة جديدة وعلاقات مُنصفة ومن يعرف قدرك ويُبادل التقدير بتقدير والحب بالحب والقلب بالقلب هو أفضل تكنيك لنجاح الهجرة.
والهجرة هنا لا تعنى قطع المسافات، بل تعنى تحقيق مفاهيم أكثر سموا مثل النسيان والترك والصفح وليس المغفرة.
فالمغفرة من اقتراف الأذى والظلم بحقك له شروط أولها رد العدوان والقدرة على العفو والعفو شرطه القدرة على من ظلمك مثلما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم مع «الطلقاء» بعدما فتح مكة ودانت له رقابهم لكنه أبى عليه الصلاة والسلام وترفع.
فكانت قدرته وأصحابه من قوة ومن بعده قدرة وليس من ضعف وانعدام القدرة.
والهجرة لا تعنى ترك حقوقك وعدم الدفاع عنها ورد كيد الكائدين، إنما تعنى ترك بيئة الظلم والظالمين حتى لا تتشابه بهم وتتحول ظالم بمرور الوقت متأثرا ومتأسيا بالظالمين.
ومثلما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم فى العفو عند القدرة فعل القائد نيسلون مانديلا عندما صفح عن من ظلموه لكنه قُدر عليهم ودشن قوانين ودستور يوقف العنصرية ووأد مسالك الظلم، فلم يصفح وهو فى السجن ذليلا، بل قادوا مُتمكناً.
هذ المسلك يقول بوضوح بأن شرط العفو القدرة وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم «العفو عند المقدرة» مشروط بتحقيق القدرة وليس على إطلاقه. لقد كانت هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بلاده مكة إلى المدينة فتحا كبيرا له صلى الله عليه وسلم وآله وأصحابه، نجح فى بسط دعوته وتأسيس دولته وعرض تكليف الله العظيم بدين الإسلام.

شُغل عِيال
الفرق بين الوحدة والعزلة
ما أعظمها من خسارة






