ليست كل البطولات تُحسم فى الملاعب الخضراء، ولا كل الكئوس تُرفع فوق منصات التتويج، هناك بطولات أخرى تسكن وجدان الشعوب، وتبقى فى الذاكرة أطول من الذهب نفسه، لهذا أقول بكل يقين إن منتخب مصر كان بطلاً لكأس العالم، حتى وإن لم يحمل الكأس بين يديه.
لقد انتصر المنتخب المصرى فى معركة أكبر من كرة القدم، انتصر على منطق السوق الذى يحول اللعبة إلى صناعة تُدار بالأموال وحدها، وعلى أفكار تسبق فيها الحملات التسويقية قيمة الأداء، وعلى ضغوط هائلة تجعل الطريق إلى المجد أكثر وعورة للمنتخبات القادمة من خارج الدوائر التقليدية للقوة الكروية.
تحت قيادة حسام حسن، استعاد المنتخب شخصيته التى افتقدها لسنوات، لم يكن فريقاً يبحث عن النجومية، بل عن الكرامة، لم يدخل المباريات بعقلية الضحية، وإنما بعقلية المنافس الذى يؤمن بأن احترام المنافس يبدأ باحترام الذات، ولعل هذه كانت أعظم هدية قدمها الجهاز الفنى للجماهير المصرية والعربية.
وفى القلب من هذه الملحمة، وقف محمد صلاح قائداً يليق بتاريخ الكرة المصرية، لم يكن مجرد نجم عالمي، بل أصبح رمزاً لفريق آمن بأن الجماعية تصنع المعجزات، وأن القائد الحقيقى هو الذى يمنح زملاءه الثقة قبل أن يبحث عن مجده الشخصي، وإلى جواره تألق جيل كامل من اللاعبين الذين قاتلوا على كل كرة، وبذلوا كل نقطة عرق دفاعاً عن القميص المصري، حتى أصبح الأداء نفسه رسالة قبل أن يكون نتيجة.
ولم يكن غريباً أن تصطف ملايين الجماهير العربية والإفريقية خلف هذا المنتخب، لقد رأوا فيه أنفسهم، ورأوا فى إصراره حلمهم المُؤجل. لم يشجعوه لأنه يحمل اسم مصر فقط، وإنما لأنه جسد قيمة إنسانية نبيلة؛ أن تقاتل حتى النهاية، وأن ترفض الاستسلام مهما كانت الفوارق والإمكانات.
فى زمن أصبحت فيه كرة القدم ساحة للصراعات الاقتصادية والنفوذ السياسى والمصالح التجارية، أعاد المنتخب المصرى التذكير بأن اللعبة ما زالت قادرة على إنتاج الأمل، وأن الشعوب لا تعشق من يفوز دائماً، بل من يقاتل بشرف، ويحترم منافسيه، ويمنح جماهيره سبباً للفخر. وحين عبّر اللاعبون، كل بطريقته، عن تضامنهم الإنسانى مع أهل غزة، أكدوا أن الرياضى يمكن أن يبقى إنساناً قبل كل شيء، وأن الشهرة لا تعنى الصمت أمام المأساة. كانت رسالة أخلاقية لاقت صداها لدى ملايين البشر، وأضافت إلى الإنجاز الرياضى بعداً إنسانياً لا يقل قيمة.
لهذا، قد تسجل كتب التاريخ اسم بطل رسمى لكأس العالم، لكن ذاكرة الشعوب ستحتفظ أيضاً باسم منتخب أعاد إليها الإيمان بأن كرة القدم لا تُقاس بعدد الكئوس فقط، بل بما تتركه من أثر فى النفوس.
وهكذا، لم تربح مصر بطولة العالم بالمعنى التقليدي، لكنها ربحت ما هو أبقى من الذهب ..احترام العالم، ومحبة الشعوب، وإيمان الملايين بأن الحلم المصرى ما زال قادراً على إلهام نصف الكرة الأرضية.


حازم نصر يكتب: المنصورة منارة مصر الثقافية
د. آمال إسماعيل
هل تفعلها الأندية المصرية بقيادة الأهلى؟!





