هل دار في خُلد أعظم مخططي المدن وأساتذة جغرافيا العمران أن يكون للمدينة نسخة افتراضية، بإمكانها أن تتنبأ بالأعطال قبلما تحدث؟ هل كان أحد يتخيل أن تصبح المدينة بكافة محتوياتها داخل مجموعة شاشات في غرفة مغلقة؟ هل تيقن صانعوا القرار بالدوله المصرية لتلك الفروق الدلالية بين كلا مفهومي: المدينة الرقمية والمدينة الذكية؟ وهل بإمكان مصر أن تدير عاصمتها الإدارية الجديدة بالذكاء الاصطناعي؟ كلها أسئلة شديدة الوجاهة نطرحها لنجيب عنها في المقال التالي:
فليتخيل كل منا، وليسبح في فضاء خياله: ماذا لو إن هناك مدينة كاملة تعيش نسخة منها على الكمبيوتر، تخيل لو إن كل ماسورة مياه مكسورة، كل إشارة مرور مزدحمة، كل مبنى يستهلك أضعاف المقرر له من الكهرباء... تخيل لو ظهر كل ذلك فورًا على شاشة كمبيوتر بشكل ثلاثي الأبعاد، قبل أن يشتكي المواطن.
عزيزي القارئ الكريم، كل هذا ليس خيالاً علمياً فحسب، بل هو بعينه ما يعنيه مفهوم "التوأم الرقمي للمدن Digital Twin" وهو ما تطمح في تحقيقه الدولة المصرية، بل إن وزارة الإسكان، قد بدأت بالفعل تجهزه للعاصمة الإدارية وأخذ خطوات جادة في بعض المدن الجديدة.
وحتى نقترب من المعنى، فما هو "الـتوأم الرقمي"؟ ببساطة هو نسخة طبق الأصل من المدينة الحقيقية، إلا إنها نسخة افتراضية، حيث بناء نموذج ثلاثي الأبعاد لكل مبنى وشارع وعنصر من عناصر البنية التحتية ليكون مسجلاً على خريطة ثلاثية الأبعاد على نظم المعلومات الجغرافية GIS. وحتى تحيا المدينة الافتراضية، فلابد أن يكون لها قلب ينبض عن طريق الاتصال بآلاف المستشعرات، فيما يُعرف بإنترنت الأشياء IoT لتتستشعر بكل شئ، فتقيس المياه، والكهرباء، والمرور، والجو، حتى كثافات السكان في البيوت وفي الشوارع.
وماذا عن العقل؟
تعتمد التواءم الرقمية للمدن على الذكاء الاصطناعي، لتلك المهمة، فعن طريقه يتم تحليل البيانات التي يتم جمعها من هنا وهناك، من ثم تخزينها داخل قواعد بيانات ضخمة، ليقوم بعمل "محاكاة" فيستنتج من خلالها مجموعة من السيناريوهات، لتعطي حلولاًعلمية، تمثل استجابات ناجحة وسريعة لعدد من الافتراضات، تجيب عن الأسئلة ماذا: لو حصلت أمطار غزيرة، ماذا لو قطعت الكهرباء في الحي الحكومي، ماذا لو زاد الزحام 30% وغيرها الكثير!
ولماذا العاصمة الإدارية بالذات؟
يرى المسئولون إن العاصمة الإدارية هي الأجدر بوجود توأم رقمي، ذلك لأنها مدينة من مدن "الجيل الرابع" ما يعني إنها تم تخطيطها منذ الوهلة الأولى لتكون مدينة ذكية ومستدامة، تلك التي تعتمد على البيانات والتكنولوجيا لتحسين جودة الحياة بها.
من جانب آخر، فقد أثبتت تجربة التوءم الرقمي إنه النموذج الأجدر لاختبار القرارات قبل تنفيذها على الأرض، ما من شأنه أن يوفر المليارات ومنع الأخطاء التخطيطية، وربما كان هناك مثالاً عمليا بإمكانه أن يقرب الصورة، فباستخدام صور القمر الصناعي Sentinel-2 وتحليلات Change Detection و NDBI استطاع صانعوا القرار رصد "البصمة الخرسانية" ومتابعة كل ما يتم بناءه بشكل عشوائي في مدن وقرى مصر في مشروع "المتغيرات المكانية" العملاق، الذي تتبناه عدد من الجهات والهيئات المسئولة في مصر، كما أصبح في الاستطاعة مراقبة نمو الكتل العمرانية.
ويأخذ مشروع التوأم الرقمي زخماً كبيراً لدى صانعي القرار، إذ بشكل لحظي وبدقة عالية يمكن تغيير شكل إدارة المدينة من خلال القطاعات الاستراتيجية للمدن الذكية، فعن طريق المرافق الذكية يمكن كشف تسريب المياه أو انقطاع الكهرباء لحظيًا وتوجيه فرق الصيانة، بعد اختيار أقصر الطرق باستخدام نظم المعلومات الجغرافية GIS، وعن طريق النقل الذكي يمكن محاكاة الزحام وتعديل توقيت الإشارات أو اقتراح مسارات بديلة قبل حدوث التكدس. وعن طريق البيئة الذكية يمكن رصد الانبعاثات الكربونية وتجربة أماكن الطاقة الشمسية افتراضيًا قبل التركيب، كما يمكن إدارة الأزمات عن طريق تجربة سيناريوهات الحريق أو الفيضان على نماذج افتراضية وتدريب فرق الطوارئ.
وتعتبر الصيانة التنبؤية إحدى ميزات هذا النموذج، التي من خلالها يستطيع المبنى ذاته أن يُبلغ إن التكييف المركزي به سوف يعطل بعد 15 يوم مثلاً. ومن خلال مشاركة المواطن تستطيع بعض التطبيقات أن ترصد استهلاك الأبنية، والابلاغ عن مشكلة ما ومتابعة حلها على الخريطة. وبين هذا وذاك يأتي جذب الاستثمار من مزايا هذا النموذج، إذ يصبح بإمكان المستثمر الدخول للمدينة، بشكل افتراضي، ومعاينة قطعة الأرض المخصصة لمشروعه على الطبيعة قبل الشراء، أينما كان.
ومن الأهمية أن نوضح إن نموذج التوأم الرقمي للمدن ما كان يتسنى له الوجود إلا بفضل تطبيقات GIS والاستشعار عن بعد. فالتوأم الرقمي يقوم على عدة أعمدة: أولها هي البيانات المكانية الدقيقة، عن طريق خرائط GIS المحدثة، ونماذج الارتفاعات الرقمية. والثاني هو تحليلات التغيرات المكانية، من أجل فهم النمو العمراني. وأخيراً ربط البيانات، عن طريق دمج صور الأقمار، وبيانات المرافق، والبيانات المرصودة عن طريق المواطنين عبر منصات رقمية (وكل ذلك يُدار بما يسمى الذكاء الاصطناعي الجيومكاني). لذا فبدون GIS يبقى التوأم الرقمي للمدينة مجرداً من الاحساس أو التفكير.
ويبقى السؤال الأهم، فهل نحن جاهزون؟
تؤكد استراتيجية المدينة الذكية على إنها ليست تكنولوجيا فحسب، بل إنها تحتاج تشريعات، تمويل، ومشاركة مجتمعية وكثير من العناصر المساعدة، التي يقف بعضها كتحديات أمام مشروع التوأم الرقمي للمدينة، ولعل أهم ثلاثة تحديات، هم: البيانات، إذ يتطلب الأمر وجود بيانات مفتوحة ومحدثة باستمرار. والكوادر: فهي تحتاج المهندسين وجغرايي العمران والتقنيين، وعلماء الإجتماع والبيئة ومتخصصي الذكاء الاصطناعي و متخصصي الـ GIS وغيرهم.أما التحدي الثالث فهو الخصوصية: فكيف يتم تأمين بيانات المواطنين، وكيف يتم فلترة استخدام البيانات؟
وفي نهاية المقال، نقول نعم وألف نعم لمشروع لتوأم الرقمي للمدن، وليكن شعارنا " التوأم الرقمي للمدن هو بداية الطريق"، فقبل أن نبني مدينة ونتركها، سوف نخطط لها، ونربيها، ونتابعها، ونطورها وهي على شاشات الكمبيوتر، وقبل أن تصل المشكلة للشارع سوف نحلها على الشاشة.
ولتعلم أيها القارئ الكريم إن مستقبل المدن ليس في الطوب والأسمنت فحسب... بل إن مستقبلها في البكسلات والداتا.
كاتب المقال: استاذ العمران ونظم المعلومات الجغرافية بجامعة الفيوم

شريف زرد يكتب: نموذج 8 طوق النجاة بداية عصر الاستقرار العقاري
أحمد عبدالوهاب يكتب: أوروبا وتحديات غزو المهاجرين
حين تُسْحَق العدالة.. التفرقة الجيو- اقتصادية فى مباراة مصر والأرجنتين






