شريف زرد يكتب: نموذج 8 طوق النجاة بداية عصر الاستقرار العقاري

الكاتب الصحفى شريف زرد
الكاتب الصحفى شريف زرد


​شهدت الشوارع المصرية على مدار عقود طويلة طفرات عمرانية غير مخططة، تحولت معها الكتل الخرسانية المتشابكة إلى واقع يفرض نفسه على البنية التحتية للدولة، ومن هنا جاء قانون التصالح في مخالفات البناء ليمثل خطوة استثنائية وجريئة نحو إنهاء هذا الإرث الثقيل، حيث لم يعد الملف مجرد إجراء إداري تكميلي، بل تحول إلى قضية أمن قومي اجتماعي واقتصادي تمس الحياة اليومية للملايين من المواطنين.

وتكمن عبقرية هذا التشريع في استيعابه لتعدد الحالات واختلاف طبيعة المخالفات بين من بنى على أرض زراعية، ومن تجاوز قيود الارتفاع، ومن غير نشاط العقار من سكني إلى تجاري، مما تطلب مرونة تشريعية قادرة على تفكيك هذه التعقيدات دون الإخلال بهيبة الدولة أو الإضرار بالصالح العام. إن وجوب إنجاز هذا الملف في أسرع وقت ممكن لم يعد رفاهية تملكها الجهات التنفيذية، بل هو ضرورة حتمية لغلق صفحة القلق والترقب التي عاشها الشارع، فالهدف الأسمى هو الانتقال بالثروة العقارية من حالة "المخالفة والتهديد" إلى حالة "الشرعية والاستقرار"، وهو ما يتجلى بوضوح في قيمة الحصول على «نموذج 8» النهائي.

هذا النموذج ليس مجرد ورقة رسمية تُضاف إلى أرشيف الوحدات المحلية، بل هو بمثابة شهادة ميلاد جديدة للعقار ورصاصة الرحمة التي تنهي تمامًا كافة الدعاوى القضائية والأحكام الجنائية الصادرة بحق المخالفين، فضلًا عن كونه المفتاح السحري لتوصيل المرافق بشكل رسمي وآمن وتسييل القيمة السوقية للعقار التي كانت مجمدة بسبب وضعه غير القانوني.

وعلى صعيد الرأي العام، أحدث هذا الملف حراكًا واسعًا تباينت فيه الآراء في البداية بين متخوف من الإجراءات والرسوم، ومتطلع لإنهاء أزمته، إلا أن تسريع وتيرة العمل وتذليل العقبات البيروقراطية في الآونة الأخيرة نقل الشعور العام إلى حالة من الارتياح والاطمئنان، بعدما التمس المواطن جدية الدولة في تحويل أموال التصالح إلى مشروعات تنموية وخدمية تعود بالنفع على ذات المناطق التي عانت من العشوائية.

إن نجاح الدولة في إغلاق هذا الملف والحصول الجماعي على نماذج التصالح النهائية سيمثل أكبر عملية تصحيح للمسار العمراني في تاريخ مصر الحديث، حيث يغادر المواطن مربع الخوف من الإزالة والاتقاد تحت طائلة القانون، ليدخل رحاب الاستقرار القانوني الذي يضمن لأولاده عقارًا موثقًا وآمنًا، ويمنح الدولة قاعدة بيانات دقيقة للتخطيط لغدٍ أفضل وخالٍ من العشوائيات.