شبهات غسل أموال وتهرب ضريبي.. كرة القدم الأرجنتينية في مواجهة تحقيقات متعددة

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية


تواجه كرة القدم الأرجنتينية واحدة من أكثر أزماتها المالية والقانونية تعقيدًا منذ فضيحة "فيفا جيت" التي هزت عالم كرة القدم عام 2015، بعدما امتدت التحقيقات هذه المرة إلى الولايات المتحدة، حيث يقود مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI) ومدعون فيدراليون تحقيقات موسعة تتعلق بحركة مئات الملايين من الدولارات المرتبطة بالعقود التجارية والرعاية الخاصة بالاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم.

وتأتي هذه التحقيقات بالتزامن مع قضايا أخرى داخل الأرجنتين تشمل شبهات تهرب ضريبي وغسل أموال وتحويلات مالية غير مبررة، ما أعاد فتح ملف الشفافية المالية داخل واحدة من أشهر المؤسسات الكروية في العالم، وسط تساؤلات بشأن مصير المسؤولين المتورطين وتأثير هذه القضايا على مستقبل الكرة الأرجنتينية.

اقرأ أيضًا| رئيس وزراء الأرجنتين يقدم استقالته بعد اتهامات الفساد له

 

تحقيق أمريكي حول حركة مئات الملايين

كشفت تقارير أن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI) والمدعين الفيدراليين يجرون تحقيقات بشأن حركة أموال تتجاوز 300 مليون دولار، يُشتبه في ارتباطها بعقود الرعاية والحقوق التجارية الدولية الخاصة بالاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم.

وتركز التحقيقات على شركة TourProdEnter LLC، التي تأسست في ولاية فلوريدا عام 2021، وتتولى إدارة العقود التجارية الدولية للاتحاد.

وتدير الشركة جافير فاروني وزوجته إيريكا جيليت، فيما أظهرت وثائق مصرفية أن الشركة أجرت معاملات مالية لا تقل عن 260 مليون دولار عبر حسابات في خمسة من أكبر البنوك الأمريكية، هي: سيتي بنك، وبنك أوف أمريكا، وجي بي مورجان، وسينوفوس بنك، وبي إن سي بنك.

 

شبهات تحويل أموال خارج الاتحاد

وأفادت التحقيقات بأن جزءًا كبيرًا من الأموال التي جرى تتبعها لم يصل إلى خزائن الاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم، إذ أظهرت البيانات أن نحو 57 مليون دولار من أصل 276 مليون دولار تم تحويلها إلى شركات ومستفيدين لا توجد مبررات اقتصادية واضحة لتحويل الأموال إليهم، من بينها شركات يشتبه بأنها وهمية ولا تقدم خدمات محددة، وفقًا لمجلة «إنك» الأمريكية.

وقال رجل الأعمال جييرمو توفوني، أحد المدعين في القضية، إن الأموال محل التحقيق ناتجة عن عقود قانونية، إلا أن المشكلة تكمن في أنها كان يفترض أن تُودع في حسابات الاتحاد الأرجنتيني، وليس في حسابات أخرى يشتبه في عدم مشروعيتها.

وأضاف أن قيمة الأموال التي تحوم حولها الشبهات قد تصل إلى نحو 400 مليون دولار، مقارنة بما تراوح بين 140 و150 مليون دولار في قضية "فيفا جيت".

 

استدعاء لفضيحة "فيفا جيت"

وأعادت التحقيقات الحالية إلى الواجهة فضيحة "فيفا جيت" التي اندلعت عام 2015، عندما كشفت وزارة العدل الأمريكية شبكة واسعة من الرشاوى والعمولات غير القانونية المرتبطة بحقوق البث والتسويق لبطولات كرة القدم في الأمريكتين.

وشهدت القضية آنذاك إدانة المدير التنفيذي السابق لقناة "فوكس" الدولية هيرنان لوبيز بتهم الاحتيال وغسل الأموال، بعد ثبوت تورطه في دفع رشاوى لمسؤولين في الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) واتحاد أمريكا الجنوبية (كونميبول) للحصول على حقوق بث بطولة كوبا ليبرتادوريس ومباريات المنتخبات، كما أدينت شركة "فول بلاي" الرياضية الأرجنتينية بارتكاب مخالفات مماثلة.

وكان الاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم من بين الجهات التي تعرضت لانتقادات واسعة خلال تلك القضية بسبب ما وصف آنذاك بضعف الشفافية المالية.

 

تحقيقات في التهرب الضريبي

وفي موازاة التحقيقات الأمريكية، يواجه رئيس الاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم كلاوديو تابيا وأمين الصندوق بابلو توفيجينو تحقيقًا داخل الأرجنتين يتعلق بشبهات تهرب ضريبي.

وتتركز القضية حول احتجاز مساهمات الضمان الاجتماعي بقيمة تتجاوز 193 مليار بيزو، أي ما يعادل نحو 15 مليون دولار، رغم امتلاك الاتحاد سيولة مالية كافية لسداد هذه المستحقات.

ويحقق الادعاء في أسباب عدم سداد تلك الالتزامات، وسط شبهات بأن الأموال جرى استثمارها في ودائع ثابتة وأدوات مالية أخرى لتحقيق عوائد إضافية.

 

قضية "سور فينانساس" وغسل الأموال

وامتدت التحقيقات المحلية كذلك إلى شركة التمويل "سور فينانساس"، المملوكة لرجل الأعمال أرييل فاليجو، على خلفية شبهات تتعلق بغسل أموال عبر قروض ورعاية للأندية الرياضية.

وكشفت التحقيقات عن عمليات مالية مشبوهة تجاوزت قيمتها 1.6 مليار دولار خلال الفترة بين عامي 2022 و2025، عبر محافظ رقمية استخدمت دافعي ضرائب وهميين وأشخاصًا من محدودي الدخل لتنفيذ معاملات مالية بمبالغ ضخمة.

وفي ديسمبر 2025، نفذت الشرطة الفيدرالية الأرجنتينية أكثر من 30 عملية مداهمة شملت مقر الاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم و17 ناديًا محترفًا، من بينها أندية راسينج وسان لورينزو وإنديبندينتي، في إطار التحقيقات المتعلقة بغسل الأموال.

 

قصر فاخر تحت المجهر

وكشفت تحقيقات أخرى عن شراء عقار فاخر في منطقة بيلار التابعة لمقاطعة بوينس آيرس، تقدر قيمته بنحو 20 مليون دولار، بينما سُجل باسم أشخاص لا تتناسب قدراتهم المالية مع قيمة العقار.

ويضم القصر مهبطًا للطائرات، ومسبحًا، ومضمارًا للفروسية، ومرآبًا يتسع لـ54 سيارة فاخرة، فيما تشير التحقيقات إلى الاشتباه بأن المالك الحقيقي للعقار هو أمين صندوق الاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم بابلو توفيجينو.

وأخذت القضية بعدًا سياسيًا مع تبادل الاتهامات بين مسؤولي الاتحاد والحكومة الأرجنتينية.

فقد وجه الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي انتقادات علنية لرئيس الاتحاد كلاوديو تابيا، واتهمه بـ"تدمير كرة القدم الأرجنتينية"، في حين يرى مسؤولو الاتحاد أن التحقيقات تتأثر بخلافات سياسية.

من جانبه، اعتبر أمين الصندوق بابلو توفيجينو أن ما يجري يمثل "اضطهادًا سياسيًا"، مشيرًا إلى أن تابيا وعددًا من مساعديه سبق أن دعموا منافس ميلي في الانتخابات الرئاسية التي جرت عام 2023.

وتشير التحقيقات المتزامنة في الولايات المتحدة والأرجنتين إلى اتساع نطاق التدقيق في إدارة الأموال داخل كرة القدم الأرجنتينية، في وقت لا تزال فيه السلطات القضائية والمالية تواصل فحص التحويلات والعقود والأنشطة المالية المرتبطة بالاتحاد وشركاته التجارية، وسط ترقب لما قد تسفر عنه التحقيقات من اتهامات أو إجراءات جديدة قد تعيد رسم المشهد الإداري والمالي لكرة القدم في البلاد.

اقرأ أيضًا| العدل الأمريكية تكشف تفاصيل إحباط هجوم استهدف ترامب ونتنياهو في واشنطن