مشهد آخر

من «E.T.» إلى «Disclosure Day».. نصف قرن من مطاردة المجهول

خالد محمود
خالد محمود


ثمة مخرجون يصنعون أفلامًا ناجحة، وآخرون يصنعون عوالم كاملة يعيش فيها الجمهور لعقود. ومن بين هؤلاء يقف ستيفن سبيلبرج كواحد من أهم صناع الأحلام في تاريخ السينما الحديثة. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، لم يكن الخيال العلمي في أفلامه مجرد مساحة للمؤثرات البصرية أو المغامرات المثيرة، بل كان وسيلة للتأمل في الإنسان نفسه؛ في مخاوفه وأحلامه وعلاقته بالعالم الذي يتجاوز حدود إدراكه.

لذلك يبدو فيلم «Disclosure Day» وكأنه محطة جديدة في رحلة بدأت قبل نحو خمسين عامًا، رحلة طويلة من مطاردة المجهول وطرح الأسئلة الكبرى التي لا تكف السينما عن العودة إليها: هل نحن وحدنا في الكون؟ وماذا سيحدث لو اكتشفنا العكس؟

عندما قدم سبيلبرج فيلم «لقاءات قريبة من النوع الثالث» عام 1977، كان العالم يعيش ذروة الشغف باكتشاف الفضاء. يومها اختار المخرج الشاب أن ينظر إلى الكائنات الفضائية بوصفها مصدرًا للدهشة لا للرعب. لم يكن اللقاء مع الآخر الكوني معركة، بل محاولة للتواصل. وكانت الرسالة واضحة: الفضول أقوى من الخوف.

بعد سنوات قليلة جاء «E.T.» ليمنح الفكرة بعدًا أكثر إنسانية. الكائن القادم من الفضاء لم يكن غازيًا أو مخيفًا، بل مخلوقًا وحيدًا يبحث عن بيت، تمامًا كما يبحث الطفل عن الأمان والانتماء. تحول الفيلم إلى ظاهرة عالمية لأنه تحدث عن الإنسان من خلال كائن لا ينتمي إلى الأرض.

ومع مرور السنوات، تغير العالم وتغيرت معه سينما سبيلبرج. فقد شهدت البشرية ثورات تكنولوجية هائلة، وتبدلت العلاقة بين المواطن والسلطة، وتغيرت طبيعة الإعلام، وأصبحت المعلومات تتدفق بسرعة غير مسبوقة. وفي المقابل، لم تعد الحقيقة نفسها أمرًا محسومًا كما كانت من قبل، بل تحولت إلى ساحة للنقاش والشك والصراع.

من هنا يمكن فهم «Disclosure Day» باعتباره ابنًا لعصره. فالفيلم لا يطرح فقط فرضية الكشف عن وجود حياة خارج كوكب الأرض، بل يتساءل عما إذا كانت المجتمعات الحديثة قادرة أصلًا على التعامل مع حقيقة بهذا الحجم.

في السنوات الأخيرة لم يعد الحديث عن الأجسام الطائرة المجهولة حكرًا على الخيال العلمي أو نظريات المؤامرة. فقد شهد العالم جلسات استماع رسمية وتقارير حكومية ومناقشات علنية حول ظواهر جوية غير مفسرة، وأصبح الموضوع جزءًا من النقاش العام في وسائل الإعلام الكبرى. صحيح أن تلك المناقشات لم تقدم دليلًا قاطعًا على وجود حضارات فضائية، لكنها أعادت فتح الباب أمام أسئلة ظن كثيرون أنها حُسمت منذ زمن.

يبدو أن سبيلبرج التقط هذه اللحظة التاريخية بذكاء. فهو لا يقدم فيلمًا عن الفضائيين بقدر ما يقدم فيلمًا عن رد فعل البشر تجاه فكرة وجودهم. ماذا سيحدث عندما تصبح أكثر النظريات غرابة خبرًا رسميًا؟ كيف ستتصرف الحكومات؟ كيف ستتعامل المؤسسات الدينية؟ وكيف سيتفاعل الرأي العام مع حقيقة تهز الصورة التقليدية للكون والإنسان؟

في هذا السياق يتحول الفيلم إلى دراسة ثقافية لعالمنا المعاصر. فالقضية الأساسية ليست الكائنات الفضائية، بل الإنسان الذي يعيش وسط سيل من المعلومات المتناقضة. إن الخوف الذي يملأ الفيلم لا يأتي من السماء بقدر ما يأتي من الأرض؛ من ارتباك البشر أمام المجهول ومن عجزهم عن الاتفاق على معنى الحقيقة.

وهنا تكمن قوة سبيلبرج الحقيقية. فكما استخدم الديناصورات في «Jurassic Park» للحديث عن حدود العلم، وكما استخدم الروبوتات في «A.I.» للتأمل في المشاعر الإنسانية، فإنه يستخدم الكائنات الفضائية في «Disclosure Day» للتفكير في أزمة الثقة التي يعيشها العالم اليوم.

وربما لهذا السبب تبدو نبرة الفيلم مختلفة عن أعماله السابقة. فالمخرج الذي نظر إلى الكون بعين الطفل المندهش في الثمانينيات، ينظر إليه اليوم بعين أكثر تأملًا وحذرًا. لم تختف الدهشة، لكنها أصبحت ممزوجة بقلق واضح من عالم يعيش تحولات متسارعة ويجد صعوبة متزايدة في التمييز بين الحقيقة والوهم.

وعلى المستوى الفني، يواصل سبيلبرج تقديم السينما باعتبارها فنًا للسؤال لا للإجابة. فالفيلم لا يمنح المشاهد حلولًا جاهزة، بل يدفعه إلى إعادة التفكير في مكانه داخل هذا الكون الواسع. وإذا كان اكتشاف وجود حياة أخرى خارج الأرض سيغير نظرتنا إلى العالم، فإن السؤال الأهم ربما يكون: هل سيغير نظرتنا إلى أنفسنا؟

في النهاية، يمكن النظر إلى «Disclosure Day» بوصفه أكثر من مجرد فيلم خيال علمي. إنه تأمل في الإنسان المعاصر وهو يواجه احتمالًا يهدد كل يقيناته القديمة. وهو أيضًا فصل جديد في حوار طويل بين ستيفن سبيلبرج والسماء؛ حوار بدأ قبل نصف قرن ولم ينتهِ بعد.

فبعد كل هذه السنوات، لا يزال المخرج الأمريكي الكبير يثبت أن أعظم أسرار الكون ليست تلك المختبئة بين النجوم، بل تلك الكامنة داخل الإنسان نفسه. وربما لهذا السبب تستمر أفلامه في إثارة الدهشة، لأنها كلما ابتعدت نحو الفضاء، عادت بنا إلى الأرض محملين بأسئلة جديدة عن معنى وجودنا ومصيرنا ومستقبلنا.

;