دينا الصاوي تكتب: إلى تيم… أجمل ما كتبه الله لي

دينا الصاوي
دينا الصاوي


ليس كل ما يغيّر حياتنا يأتي في صورة حدث كبير، وأحيانًا يختار الله أن يغيّر عمرًا كاملًا بقلب طفل، لذلك أؤمن اليوم أن أجمل ما يمكن أن يفعله أي أب أو أم ليس فقط أن يربيا أبناءهما، بل أن يتوقفا قليلًا ليكتشفا النور الذي أودعه الله في قلوبهم، لأننا ننشغل دائمًا بما نريد أن نعلمه لهم، وننسى أن الله قد يجعلهم هم سببًا في أن نصبح نحن أشخاصًا أفضل.

هذا ما حدث معي.

كان اسم هذا النور… تيم.

قبل سبع سنوات رزقني الله بك، وكنت أظن أنني سأعلمك كيف تعيش، ثم اكتشفت مع الأيام أنك أنت الذي علمتني كيف أعود إلى الحياة بعد أن ظننت أنني فقدت القدرة على ذلك.

مرت عليّ أيام لم أكن أتصور أنني سأستطيع عبورها، وكانت هناك ليالٍ لم أطلب فيها من الله إلا دعاءً واحدًا، كنت أقول: يا رب، أعني أن أصحو من أجل تيم، وحين كنت أفتح عيني في الصباح وأراك أمامي، كنت أحمد الله لأنني حصلت على فرصة جديدة، ولأن عندي سببًا يجعلني أبدأ يومًا آخر.

 

بعد فضل الله، لم تكن مجرد ابني، بل كنت نجاتي وشفائي، وحتى الألم نفسه لم يعد كما كان، لم تختفِ الصعوبات، لكن وجودك جعلني أراها بطريقة مختلفة، وجعلني أؤمن أن الإنسان قد يجد القوة في أضعف الأشياء، وأن قلب طفل صغير قد يكون أحيانًا أقوى من كل ما حوله.

 

كل ليلة، بعدما تنام، أجلس إلى جوارك، أقرأ عليك القرآن، وأدعو لك، ثم أقبّل رأسك وأظل أتأمل وجهك، ويأتي السؤال نفسه كل ليلة: يا رب، هل أستحق فعلًا طفلًا بهذا القدر من جمال القلب؟ ولا أقصد جمال الملامح، بل القلب الذي لا يعرف القسوة، ولا يحب أن يؤذي أحدًا، ولا يزال يرى الدنيا بعين الرحمة.

 

أكثر ما يملأ قلبي فخرًا ليس نجاحك في المدرسة، ولا أي إنجاز يمكن أن تحققه يومًا، بل أن كل من يعرفك يتحدث أولًا عن أخلاقك، معلماتك يكتبن كل عام أنك طفل مهذب، لطيف، رحيم، لا تؤذي أحدًا، وكلما قرأت هذه الكلمات، شعرت أن الله استجاب لأغلى دعاء كنت أتمناه لك، لأن النجاح قد يصنعه الاجتهاد، أما القلب الجميل فهو هبة من الله.

 

ولنا نحن الاثنين تفاصيل صغيرة لا يعرفها أحد، أنت لا تقول: “حضنيني”، بل تبحث عن “الهقات”، وفي كل مرة أسمعك تسأل: “فين الهقات بتاعت تيم؟” أفتح ذراعي لك، ثم أكتشف أنني أنا أيضًا كنت أحتاج هذا الحضن، وربما أكثر منك.

 

ومن الذكريات التي ستبقى معي ما حييت، ذلك اليوم الذي خرجت فيه من المطبخ فوجدت اسمي مكتوبًا بقلم رصاص على حوائط البيت، سألتك: “يا تيم، ليه كتبت اسمي في كل مكان؟” فنظرت إليّ وقلت بكل براءة: “عشان عايز أشوف اسمك على طول… وعشان إنتِ البيت”، يومها لم أفكر في الحائط، بل فكرت في القلب الذي قال هذه الجملة، وأدركت أن طفلًا لم يبلغ السابعة استطاع أن يختصر معنى البيت كله في إنسان.

 

واليوم، وأنت تكمل عامك السابع، لا أطلب من الله أن يجعلك الأغنى أو الأشهر أو حتى الأكثر نجاحًا، كل ما أرجوه أن يحفظ قلبك كما هو، وأن يبقيه رحيمًا وحنونًا ونقيًا، وأن يرزقك من الخير أكثر مما أتمنى، وأن يبعد عنك كل حزن، وأن يطمئن قلبي عليك في كل مرحلة من عمرك، وأن يمد في عمري حتى أراك سعيدًا، مطمئنًا، تحقق كل ما تحلم به.

 

أما أنا، فأعدك أن أبذل من أجلك كل ما أستطيع، وأن أهديك ما تبقى من عمري، وأن أحاول كل يوم أن أكون أمًا تستحق هذا القلب الذي رزقني الله به.

 

ولو كان لي أن أقول كلمة لكل أب وكل أم، فسأقول: لا تنشغلوا فقط بما تريدون أن تعلموه لأبنائكم، بل اقتربوا منهم أكثر، واستمعوا إلى كلماتهم، واحتفظوا بتفاصيلهم الصغيرة، وابحثوا عن الجزء المضيء الذي وضعه الله في قلوبهم، فقد يكون هذا النور هو أكثر ما تحتاجونه أنتم في رحلة الحياة.

 

أما أنا، فقد وجدت هذا النور في طفل اسمه تيم، وسأظل أحمد الله عليه في كل يوم، وأدعو له في كل ليلة، وأردد الجملة التي أصبحت جزءًا من قلبي قبل أن تكون على لساني، والتي أقولها عشرات المرات بقصد أو من غير قصد.. بحبك يا تيم