الخبراء: حالة طلاق كل دقيقتين وحان الوقت لدعم الوعى التكنولوجى والدينى
الزوجة تلجأ للمشاع الرقمى والزوج يحكى الأسرار على الهواء
لم تعد الخلافات الزوجية تقتصر على جدران المنزل المغلقة أو تُحل داخل مجالس الصلح العائلية التقليدية، بل انتقلت فى السنوات الأخيرة إلى منصات التواصل الاجتماعي، لتتحول المنشورات، والصور، ومقاطع الفيديو، وحتى تعليقات المتابعين العشوائية، إلى طرف أصيل ومؤثر فى مسار العلاقات الأسرية، وبين زوجة تلجأ للمشاع الرقمى بحثاً عن دعم وتعاطف مفقودين، وزوج يعتبرها وسيلة للفضفضة وكشف الحقائق، يرى خبراء الاجتماع أن هذه المنصات تحولت إلى ساحات لتأجيج النزاعات واستباحة الخصوصية، بعدما بات الغرباء يشاركون بآرائهم ونصائحهم المندفعة، والتى غالباً ما تنتهى باتساع الفجوة وتدمير البيوت بدلاً من احتوائها. وفى رصد لأبرز القضايا التى تطفو على سطح «الجروبات المغلقة» وصفحات الدردشة، يمكن ترتيب المشكلات الزوجية والأسرية الأكثر تفشياً، والشرخ الذى تحدثه ردود أفعال الجمهور المتضاربة بين التأييد والمعارضة على النحو التالي:
تتصدر أزمة نشر تفاصيل الحياة اليومية قائمة النزاعات الرقمية، حيث يشتكى العديد من الأزواج من قيام زوجاتهم بنشر أدق أسرار المنزل على منصات مثل: «فيسبوك» رغبة فى التواجد الافتراضى أو محاكاة «التريند»، وتتباين ردود الجمهور هنا بين جبهة مؤيدة للزوج تشدد على أن الخصوصية خط أحمر والبيوت لها حرمة لا يجوز انتهاكها، وبين جبهة معارضة ترى فى الأمر حرية شخصية للزوجة.
تضج المنصات بشكاوى نسائية حول محادثات الأزواج مع فتيات عبر التطبيقات المختلفة، هذا النوع من الشكاوى يواجه انقساماً حاداً فى آراء المتابعين؛ فبينما تحرض الجبهة المؤيدة للزوجة على المواجهة العنيفة واتخاذ موقف حاسم وصارم، والجبهة الأخرى تتبنى موقفاً تبريرياً يدعو الزوجة لعدم تضخيم الأمر وتجاوزه طالما لم يتعدَ حدود «الهزار» أو الأحاديث العابرة.
«الخرس الزوجى»
تشتكى النسبة الغالبة من السيدات من ظاهرة قضاء الزوج لكل وقته مستغرقاً فى هاتفه المحمول، مما أدى إلى تبلد المشاعر والجفاء العاطفى داخل الأسرة، وتتأرجح النصائح فى هذا السياق؛ حيث تدعم فئة الزوجة بضرورة الجلوس مع الزوج ومواجهته بهذا الإهمال ومحاولة معالجته لتفادى الانهيار العاطفي، فى حين تستخّف فئة معارضة من الشكوى معتبرة الأمر مجرد نتاج طبيعى لضغوط العمل والحياة اليومية.
تدخل الأهل
لم تغب الأزمة الكلاسيكية لتدخل الحماوات عن المشهد الرقمى بل اتخذت طابعاً أكثر حدة؛ وعندما تطرح الزوجات مشكلات التدخل فى تفاصيل حياتهن، تنقسم الآراء الافتراضية بشكل يهدم البيوت؛ فالبعض يحرض الزوجة على وضع حدود حديدية صارمة من البداية وفصل حياتها تماماً عن عائلة زوجها، بينما تهاجم الجبهة المقابلة هذا الطرح معتبرة الحماة بمثابة الأم التى يجب تحملها وأن الاحترام وتسيير المراكب أولى من الوقوف عند الخلافات.
الأزمات الاقتصادية
تفرض الضغوط المالية الحالية نفسها على الساحة، وتبرز بوضوح مشكلة عمل المرأة وإنفاقها على المنزل فى ظل دخل الزوج المحدود، وينعكس هذا التوتر فى آراء المجتمع الرقمي؛ حيث ينظر قطاع من المتابعين للأمر كشراكة طبيعية وتكامل تفرضه الظروف المعيشية شرط وجود اتفاق مُسبق بين الطرفين، بينما يثور قطاع آخر متمسكاً بالحقوق التقليدية ومهاجماً للزوج، معتبراً أن النفقة مسئولية شرعية وقانونية تقع على عاتقه وحده، ولا يجوز تحميل المرأة فوق طاقتها.
تخبط المنهج التربوى
تطرح بعض الأمهات مشكلة إدمان الأطفال بعمر عشر سنوات للهواتف الذكية، وهنا تتجلى فوضى «الفتاوى التربوية»؛ حيث ينصح بعض المتابعين بأساليب حاسمة كالحرمان التدريجى وتوفير البدائل كالرياضة والأنشطة الاجتماعية، فى حين يحبط البعض الآخر هذه الجهود بدعوى أن كل الأطفال باتوا هكذا وأن المنع الكامل سيولد انفجاراً وعناداً عكسياً.
وبعد التواصل مع خبراء الطب النفسى يرى د. أحمد خيرى، أستاذ علم النفس الإكلينيكى بجامعة عين شمس، أن العالم ما قبل وسائل التواصل الاجتماعى يختلف تماماً عن عالم ما بعد السوشيال ميديا فى المجتمع المصري، حيث فتحت هذه المنصات نوافذ وأبواباً وعلاقات ورؤى واهتمامات لم يكن الإنسان المصرى معتاداً عليها من قبل، مما أدى إلى تغير الصور التقليدية للأسرة المصرية التى كانت تتسم بالتماسك والمودة والحوار المتبادل المتمثل فى مجلس الأسرة الأسبوعي، مؤكدا أن هذا التغير انعكس بشكل مباشر وصادم على العلاقات الزوجية والأسرية؛ ففى الرابطة الزوجية لم تعد الزوجة هى النموذج الوحيد الذى يركن إليه الرجل باستمرار بعد أن قدم العالم الافتراضى نماذج لزوجات جميلات وحسب الطلب، مما أدى إلى التباعد والإهمال والبرود والخرس الزوجى والتبلد العاطفي، لدرجة جعلت أصحاب المشكلات الزوجية والأسرية يمثلون النسبة الغالبة من زوار العيادات النفسية حالياً، ويحذر خيرى من أن الخلل الأسرى هو الجانب الأخطر فى هذه المعادلة، حيث بات الأبناء يعيشون فى غرف مغلقة لا يُدرى ماذا يجرى داخلها، مما نتج عنه ظهور جرائم عنف وقتل وخيانة زوجية وجرائم بين الآباء والأبناء غريبة تماماً على طبيعة المجتمع المصرى الآمن والودود، الأمر الذى يجعل المغارم والثمن الباهظ الذى يدفعه المجتمع من أعصابه وثقافته يتجاوز بكثير المغانم التافهة والقليلة للسوشيال ميديا. وينبه إلى أن المستقبل سيحمل تحدياتٍ أصعب وأوسع مع التطور التكنولوجى وظهور تقنيات العالم المعزز التى تتيح تجسيد العلاقات الافتراضية داخل المنازل، بالتوازى مع مخاطر الطابع الغريزى لعلاقة الشباب بهذه المنصات نتيجة ارتفاع معدلات العنوسة وتكلفة الزواج وغياب فرص العمل، فضلاً عن حدوث خلل حاد فى مفهوم القدوة بعد أن انزاحت من الأب والأم إلى مشاهير المهرجانات ولاعبى الكرة، ووصولاً إلى البحث عن قدوات افتراضية غريبة عن القيم والتوجهات والجذور الدينية والتاريخية للمجتمع.
ويشير أستاذ علم النفس الإكلينيكى إلى تحول خوفى ختام رؤيته، يشدد أحمد خيرى على أن الهدف ليس إغلاق الباب أمام السوشيال ميديا أو تجنبها تماماً، بل يكمن الحل فى حسن اختيار طريقة التواصل معها وترشيد استخدامها نحو الجوانب الإيجابية.
الجفاء الأسرى
أما عن رأى د. مجدى حمزة، استشارى الصحة النفسية، فيرى أن تفاقم أزمة الجفاء الأسرى وتراجع التواصل يعود إلى جملة من الأسباب العميقة التى يأتى فى مقدمتها التراكمات والخلافات غير المستقرة، حيث يؤدى غياب الحوار الواعى إلى تراكم المشكلات الصغيرة حتى تتحول تدريجياً إلى جدار عازل بين الزوجين، ويضيف أن الانشغال التكنولوجى أو ما يمكن تسميته بشيطان الهواتف ساهم فى تحويل الهاتف إلى رفيق بديل، مما يجعل كل طرف يقضى وقته فى ركن منعزل، الأمر الذى يقتل التواصل الفعلى داخل المنزل، بالتوازى مع غياب القدوة وغياب مفهوم الكبير؛ ففى الماضى كان اللجوء للأهل أو حكماء العائلة يسهم فى احتواء الخلافات بنصائح تدعو للصبر والحفاظ على الكيان الأسري، بينما تحول التدخل فى كثير من الأحيان حالياً إلى شحن سلبى يسهم فى الهدم بدلاً من البناء. ويشير إلى أن هذا التراجع يرتبط أيضاً بضعف الوازع الدينى والأخلاقى وغياب معانى السكن والمودة والرحمة والاستسهال فى اتخاذ قرار الانفصال أو اللجوء للمحاكم، فضلاً عن تفشى الفراغ العاطفى والهروب من الواقع، مما زاد من حالات البحث عن السعادة المؤقتة خارج إطار الزواج نتيجة لغياب الاهتمام والتقدير المُتبادل داخل المنزل.
ويلفت الانتباه إلى أن مؤشرات الطلاق الرسمية باتت تدق ناقوس خطر حقيقى بوقوع نحو 280 ألف حالة طلاق سنوياً، وهو معدل مفزع يعادل حالة طلاق واحدة تقريباً كل دقيقتين، مما يعنى تحول الرباط المقدس فى بعض الأحيان إلى ساحة معركة وتآكل الاحترام المُتبادل تدريجياً، لدرجة تحول الخلافات الزوجية إلى مشاحنات يومية غابت فيها مكانة الأب وتحطمت معها هيبة الأم.
وعى تكنولوجى
المعالج النفسى أحمد دياب يؤكد أن المجتمعات الشرقية واجهت أزمة حقيقية فى التعامل مع الانفتاح التكنولوجى نتيجة استخدام الحرية المتاحة عبر وسائل التواصل الاجتماعى بأساليب سلبية قائمة على الاندفاع العاطفى لا العقلاني، حيث يفتقر المستخدمون إلى المعرفة والوعى بكيفية الاستفادة الحقيقية من هذه الأدوات، مما يحولها إلى بيئات خصبة لتصدير السلوكيات العشوائية والمنحرفة نتيجة غياب التوجيه، ويشبه القواعد الإلهية والتربوية بالكتالوج الصارم الذى وضعه الخالق لإدارة واستقرار الحياة الإنسانية والأسرة فى جميع مراحلها منذ الطفولة والمراهقة وحتى الزواج، معتبراً أن الابتعاد عن هذا الدليل الإرشادى أدى بالتبعية إلى حالة الانفجار الحالى فى الأزمات والمشكلات الزوجية المنساقة خلف المشاع الرقمي.
ويكشف دياب عن وجه مادى واستثمارى خفى يقف وراء انتشار ظاهرة المجموعات المخصصة لحل المشكلات على السوشيال ميديا، موضحاً أن العديد من هذه الصفحات تُدار كمنصات ربحية ومدفوعة الأجر تهدف إلى جمع أكبر عدد من الأعضاء لزيادة التفاعل وجنى أرباح الإعلانات، أو تفرض رسوماً ونسباً مالية على طرح المشكلات ذاتها، فضلاً عن وجود مؤسسات كبرى تقف خلف هذه المجموعات لتحليل بيانات المجتمع وقياس معدلات الرضا ونسب الطلاق بناءً على ما ينشره المستخدمون بحسن نية، وهو ما يفسر الكثافة والانتشار غير الطبيعى لهذه الصفحات الرقمية.
ويوضح المعالج النفسى أن لجوء المرأة إلى هذه الوسائل يعود إلى غياب ثقافة التأهيل النفسى والاجتماعى قبل خطوة الارتباط، حيث تتأسس فترة الخطوبة من البداية على التجميل المصطنع ومحاولة كل طرف إخفاء عيوبه والظهور بأجمل ما عنده دون عيش الحقيقة، بمباركة وضغط من الأسرة التى لا تساعد المقبلين على الزواج على إظهار واقعهم. ويشير إلى أن هذا التزييف يقود الصدمة العنيفة فى المشاعر والأفكار بمجرد الاصطدام بالواقع الفعلى بعد الزواج، لتتصاعد نسب الطلاق بوضوح بعد شهرين فقط من الزفاف لافتراق الطرفين إلى الوعى بإدارة الأزمات، ويختتم دياب رؤيته بالإشارة إلى أن غياب قنوات الاستماع والتوعية يدفع الزوجات للبحث عن منصات مستترة وهوية مجهولة لطرح الخلافات، خوفاً من تضخيم المشاكل عند إدخال الأهل وتفادياً لردود فعل الأزواج، ويحذر من أن الهروب إلى الفضاء الرقمى يضع الأسر تحت رحمة فوضى عشوائية، حيث تأتى نحو 80% من الإجابات والردود مندفعة وسلبية وتحرض بشكل مباشر على الطلاق والانفصال السريع دون وعى أو دراسة لعواقب الأمور.
تراجع القيم الأخلاقية
وأخيرا تؤكد د. منى الحديدى، عضو المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والمجلس الأعلى للثقافة، أن وسائل التواصل الاجتماعى وصفحات الدردشة أصبحت بمثابة المسرح الكاشف والعارض للخصوصيات الشخصية للأفراد، مشيرة إلى أن الكثير من الوقائع والتجارب التى تُحكى على هذه المنصات غالباً ما تكون غير حقيقية ويختلقها أصحابها، وتنبه إلى وجود انحراف خطير وسلوكيات مشوهة فى استخدام الميديا، وتحديداً داخل المجموعات المغلقة، حيث تحولت «جروبات الماميز» من أهدافها الرئيسية المتمثلة فى متابعة الحياة الدراسية والتعليمية للأطفال فى مراحل التعليم الأولى، إلى منصات تبدأ فيها السيدات بحكاية أسرار الحياة الزوجية الدقيقة وتفاصيل العلاقة الخاصة مع الزوج، وهى أسرار يُفترض ألا تخرج مطلقاً عن نطاق الزوجين.
وتُرجع أسباب هذه الظاهرة المتفاقمة إلى غياب الثقافة الأسرية والوعى بمفهوم الزواج وبناء الأسرة لدى الكثير من الأجيال الشابة، ويضاف إلى ذلك غياب الحوار البنّاء بين الزوجين مما أدى لتفشى ما يُعرف بالخرس الزوجى أو الخرس الأسرى داخل البيوت التى أصبحت فى حالة صمت لا تسمع ولا تتكلم، وتوضح أن غياب الحوار والثقافة الأسرية قاد أيضاً إلى ظهور ظاهرة الطلاق الصامت أو الانفصال تحت سقف واحد، حيث يعيش الأزواج معاً جسدياً دون أى روابط إنسانية أو عاطفية، وبلا تحمل للمسئولية أو توزيع للأدوار الحياتية. وتحذر الحديدى فى ختام رؤيتها من تراجع القيم الإنسانية والأخلاقية فى تربية الأجيال الناشئة، كاشفة عن استغلال هذه المنصات والخصوصيات فى ممارسات غير سوية كالتحرش والابتزاز الإلكتروني، مؤكدة أن غياب التربية السليمة منذ الطفولة والتعليم الأسرى يمثل جزءاً أساسياً وراء تفاقم هذه المشكلات المجتمعية الكارثية.
100 يوم بهجة خطة سحرية لـ «إجازة صيفية»
حبايبنا| «جودى ورودى» قصة تحدى
ديكور| لأناقة شاليهات المصيف






