مجدي أبو الخير يكتب: فيفا.. كارت أحمر!

د. مجدي أبو الخير
د. مجدي أبو الخير


هدفٌ ولا أروع لمصر في دقائق المباراة الأولى لم تجد منظومة الفيفا عن بكرة أبيها إزاءه ثغرةً تنفُذُ منها لإلغائه حتى كانت صافرتُها الفورية دون أدنى تردّدٍ للرد عليه، وتداركه بمنحها ضربة جزاء للأرجنتين إثر احتكاك في منطقة الجزاء، وبعيدًا عن ملابسات صحتها من عدمها إلا أن الحكم لم يتردد طرفة عينٍ في احتسابها، وكأنه كان في حالة ترقب بل شوق إلى أيّة هفوة مثلها حتى يقنصَها.. هنا كانت صافرة البداية، وطريق اللاعودة نحو هدفٍ بدأ جليّا للجميع، وقد كان.

وبعيدًا عن فنيّات المباراة، والتي ربما شرّق الجميعُ فيها وغرّب، وبعيدًا عن ملابساتها وأخطائها التحكيمية، والتي كانت على مرأى ومسمع من جميع مشاهديها حول العالم، حتى أثارت حفيظة أرباب فنّها وأهل اختصاصها والمشتغلين بها في كثير من دول العالم -لعبًا وتحكيمًا وتحليلًا- والذين رأوا جميعًا في أكثر من واقعةٍ مماثلة لكلا الفريقين ربما كيلًا بمكيالين متعمدًا ومقصودًا. حتى أن نجم الأرجنتين السابق (كلاوديو لوبيز)، ومحلل قناة beIn Sports، وإزاء مشاهدته لعرقلة صلاح المتعمدة، والتي مهدت لهدف الفوز للأرجنتين، لم يجد ردًّا حتى أعلنها صراحة، بملامح خَجْلَى وصوتٍ منكسر، استحقاق صلاح لاحتساب مخالفة لصالحه، وأنه كان على الحكم أن يعود لتقنية الفيديو لمراجعة اللعبة. وفي هذا ومن باب (وشهد شاهدٌ من أهلها)، وشهدناه معه ورأيناه بأعيننا علم اليقين وحقه وعينه، ما يكفينا في إقرار الظلم الواقع علينا عمدًا وقصدًا. 

ورغم ذلك كله، ويزيد، إلا أنني دومًا وكعادتي لا يمكنني بحال من الأحوال أن أعزل أي حدثٍ وإن كان رياضيًا أو فنيًّا أو حتى غيرهما عن الجغرافيا السياسية التي تعيشها الكرة الأرضية وتعيشها منطقتنا سيئة الحظ، المبتلاة بإرثها الحضاري والإنساني، وبثرواتها الطامع فيها لصوص التاريخ والجغرافيا. لفترةٍ ما من عمري كنت أرى في الرياضة لا سيّما كرة القدم والفيفا ساحةً للنزاهة والمنافسة الشريفة، وأنها للجميع، وأنه يجب تنزيهها عن أيّة شعاراتٍ سياسية أو عنصرية أو نحو ذلك حتى جاءت حرب أوكرانيا، وكأنها ثالثة الأثافي؛ إذ باتت ساحات الرياضة، وقاعات الأوبرا محافل مشروعة ومُشرَعة أمام (فولوديمير زيلينسكي) للتنديد بالهجوم الروسي على أوكرانيا، ودعوات مقدَّرة لرفع الظلم عنها؛ الأمر الذي قنصه على كرهٍ من الصهيونية العالمية بطل الإسكواش العالمي (علي فرج) عندما طالبوه بالحديث عن حرب أوكرانيا في بطولة العالم في (أوبتاسيا) في لندن (2022م) حتى فاجأهم يومها، وفي سرعة خاطفةٍ كالبرق، بحديثه عن فلسطين. وهو ما باتوا يرفضونه في بطولة اليوم، وحتى قبلها، حتى من مجرد رفع علم فلسطين، وقمعها في بربرية لا حد لها كل مَن يُقدم على ذلك. 

كنت أرى في طرد (زين الدين زيدان) نجم المنتخب الفرنسي العربي الأصل المسلم في الدقيقة (110) في نهائي كأس العالم (2006م) ببرلين إثر نطحته لصدر مدافع إيطاليا (ماركو ماتيراتزي)، على أنه جاء إثر مشادة كلامية بين لاعبين وحسب دون أن يتبادر إلى ذهني أنه ربما خُطط لذلك بدقة لدفعه بما يستفزه إلى ذلك دفعًا لطرده، ومن ثم فوز إيطاليا باللقب. ولا أدري لماذا أذكر هذا هنا إلا أنني ربما أجده منطلقًا لفكرة التخطيط الخبيث مطلقًا لإدراك أن الفيفا بمستطيلها الأخضر ليست ساحة نزاهة أو شرف كما كنا نتوهمها وأوهمونا لعقودٍ من الزمان؛ إذ لا يمكنني أن أتجاهل إلغاء الفيفا في سابقة هي الأولى على تجاوز قوانينها الصارمة وكسرها، وبقرار من إنفانتينو لكارت أحمر، وتعليق حكمٍ كان يوصف دومًا بالقطعي والباتّ وواجب النفاذ الآني كما كان بحقّ زيدان، ومنعه من المباراة التالية عليه لو كانت هناك وقتها أخرى، وذلك بحق المهاجم الأميركي (فولارين بالوغون) في مباراة أمريكا أمام البوسنة والهرسك، إثر مكالمة شخصية من ترامب نفسه طالبه فيها بمراجعة الطرد، مكالمةٌ لم ينكرها إنفانتينو نفسه، وإلغاءٌ شكره عليه ترامب رسميًّا؛ الأمر الذي أثار موجة غضب عارمة لا سيّما من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم ضد الفيفا وإنفانتينو، حد مطالبته بالاستقالة.

مكالمة ترامب لإنفانتينو، وتعليق الإيقاف في المباراة التالية للمهاجم الأخطر في المنتخب الأمريكي بات دليلًا على أن أكمة الفيفا وعلى رأسها رئيسها المبتهج بتغلب ميسي على الرأس الأخضر، والحزين لإضاعته ضربة جزاء أمام البطل شوبير وراءها ما وراءها. هذا من ناحية، ومن أخرى، دليلًا على تسييس الرياضة واتخاذها ربما ساحة لتصفية الحسابات السياسية، الأمر الذي كان جليًّا وفاضحًا حتى مع اللمسات الأخيرة قبل انطلاق البطولة الأكثر جماهيرية ومشاهدة في العالم؛ بداية من منع أمريكا (يونيو 2026م) الحكم الصومالي الدولي، وأفضل حكم في إفريقيا لعام (2025م)، (عمر عبد القادر أرتان) من دخول أراضيها، ومن ثم ترحيله إلى تركيا بعد توقيفه في مطار ميامي، وخضوعه لتحقيقات مهينة ومذلة نحو (11ساعة)، واحتجازه في زنزانة انفرادية؛ مما أدى إلى استبعاده رسميًّا من إدارة مباريات كأس العالم تحت مزاعم أنه غير مؤهل للدخول إلى أراضيها بسبب مخاوف أمنية، وحسب زعم البيت الأبيض نفسه، لوجود صلات بينه وبين أفراد يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية. دون أن تصنع له (فيفا إنفانتينو) شيئًا. بل، أكثر من ذلك إعلانها أن قرارات الهجرة وتأشيرات الدخول تخضع لسلطة الدولة المستضيفة (أمريكا)؛ وعليه، فإن أرتان لن يشارك.

الأمر الذي أثار، كذلك، موجة غضب عارمة في الأوساط الرياضية وحتى غيرها، وموجات تضامن واسعة مساندة له، بدءًا من حفاوة التكريم التي اُستُقبل بها من جماهير ومسئولي بلده في مقديشو. هذا فضلًا عن منح الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) مكافأة تاريخية له، تكريمًا وتضامنًا، وذلك بتعيينه لإدارة مباراة كأس السوبر الأوروبي بين (باريس سان جيرمان وأستون فيلا)، والمقرر إجراؤها في (أغسطس2026م) في ملعب (ريد بول أرينا في سالزبورج)، في سابقة هي الأولى لحكم غير أوروبي لإدارة هذا النهائي. هذا الإبعاد لمثل هذا الحكم الدولي الكفء ﻻ يمكن بحالٍ من الأحوال أن يكون بعيدًا عن تصفية الحسابات السياسية بين ترامب والنائبة الديمقراطية (إلهان عمر)، الصومالية الأصل، والتي تتهمه وإدارته دومًا بالاحتيال والفساد، حتى راح من جانبه يشنّ عليها هجومًا قاسيًا - سياسيًّا وشخصيًّا - مرارًا، حد مطالبته بعد وصفه لها هو الآخر بالفاسدة والمحتالة بعزلها فورًا أو ترحيلها إلى بلدها الصومال، والذي يعاني من الفوضى، حسب قوله، لتتحدث هناك عن الدستور.. وهنا، أُذكّر ترامب أن فوضى الصومال -مثالًا- إنما هو أثر فأس ديمقراطيتكم المزعومة فيه، وفي غيره،؛ لجني ثمارها اليوم في منطقة القرن الأفريقي، والتي باتت معلومة للقاصي والداني، تفتيتًا لدوله، ونهبًا لمقدراته، وسيطرةً على الممرات الدولية، وسلاسل الإمداد.

تسييس مباراة مصر والأرجنتين واتخاذها ساحة لتصفية الحسابات السياسية لصالح الكيان الإسرائيلي على حساب مصر، وكما أرى، ليس مع تصريح الكابتن حسام حسن، ممثل مصر الرسمي في هذا المحفل العالمي، ومدير منتخبها الوطني، مع رفعه لعلم فلسطين، وتصريحه الجريء النبيل المستمد من جرأة مصرة ونُبلها عن قضيتها العادلة، ومعاناة أهلها في طول فلسطين وعرضها، قتلًا وتشريدًا، وخذلان الغرب وأمريكا مدّعي احترام القوانين وحقوق الإنسان لهم، وإنما كان قبل ذلك بكثير مع رفض مصر الرسمي في كل محفلٍ ولقاءٍ للتهجير، ومن ثم تصفية القضية الفلسطينية للأبد، وصمودها في ذلك بعزمٍ وحزمٍ وصلابةٍ قيادةً وشعبًا حتى تاريخه.

إزاء الفظائع التي ارتكبها الكيان بحق أهلنا في غزة كتب نجم المنتخب الفرنسي، والجزائري الأصل (كريم بنزيما)، عبر حسابه على مواقع التواصل، نصًّا: " كل صلواتنا من أجل ضحايا غزة ضد القصف الظالم "؛ فما إن قام بنشرها حتى قامت قيامة الصهيونية ضده، حدّ مطالبة نائبة البرلمان الفرنسي (فاليري بوايي) بسحب جنسيته الفرنسية، وكرته الذهبية، بل وكل جوائزه منه. وفعلًا حلّ رقم (16) في التصنيف العالمي لعام (2023م) بعد أن كان الأول، وعلى رأس التصنيف لعام (2022م). إذن، ومن زاويةٍ ما، فضلًا عن أخرى، ربما ﻻ نعجب عندما يُفسح المجالُ أمام (ميسي) -وكلّ ميسي في مجاله- ليكون على رأس التصنيف العالمي والتتويج بالكأس مدة لعبِه مكافأةً له على ارتدائه القلنسوة اليهودية (الكيباه)، وبكائه عند حائط المبكى (البراق).

إذن، وفيما أرى، وبناء على سبق، وهو نزرٌ يسير، وغيضٌ من فيض، مقابل أدلة لا حصر لها باتت معلنة ومفضوحة، لم يعُد المستطيل الأخضر ذلك الميدان، وتلك الساحة التي توهمناها عمرًا ساحةً للشرف والقيم والجمع الإنساني على إطلاقه، دون تمييز له بعرقٍ أو دينٍ أو لونٍ وإنما بات ساحةً تتخذها هي الأخرى جوار مثيلاتٍ لها الصهيونيةُ العالمية، دون أدنى حياء أو خشية أو رادعٍ، لتصفية حساباتها السياسية ضد كل مناوئٍ - كائنًا مَن كان، وإن كان حليفها الإستراتيجي - لمشروعها الإمبريالي المعلن، ليس من النيل إلى الفرات وحسب، وهو كذلك، وإنما حيثُ وُجدت الثروة، ذهبًا ومالًا وطاقةً وحتى شعوبًا، في فنزويلا وإيران والقرن الأفريقي وبنما وجرينلاند وكوبا، ومن قبلُ العراق وأفغانستان واليمن وسوريا وغيرها، في حدائق منزلها الخلفية والأمامية، في نصف الكرة الغربي، وما تبقى منها من جهات. ساحة لم تسلم شرفًا وعزّةً منها مصرُ، فهل يسلمُ منها مغربُنا، وحتى فرنسا على مواقفها المشرّفة تجاه فلسطين واعترافها بها، مثلما لم يسلم منها في ساحةٍ أخرى على مواقفه المماثلة ستارمر؟! وفي الأخير، ليست كرة قدم وإنما ميدان إرادةٍ كنّا فيه الأعلى كعبًا، والأجلى همّةً وعزمًا وغلبةً. حفظ الله مصر.