درب الأربعين.. مَن يكمل المسير؟

الطريق التاريخى إلى قلب إفريقيا ينتظر العودة للحياة

مدينة ديروط بمحافظة أسيوط
مدينة ديروط بمحافظة أسيوط


على امتداد الصحراء الغربية، يبدأ أحد أقدم طرق التجارة والحج فى إفريقيا من مدينة ديروط بمحافظة أسيوط، عابراً واحة الفرافرة وصولاً إلى الكُفرة الليبية، ثم ممتداً جنوباً إلى السودان وعمق القارة الإفريقية، فى رحلة تاريخية عُرفت باسم «درب الأربعين»، ذلك الطريق الذى لعب لقرون طويلة دوراً محورياً فى حركة التجارة والحج والتواصل الحضارى بين مصر ودول إفريقيا.

يمثل الدرب، الذى يمتد لمسافات شاسعة عبر الصحراء، شاهداً على حقب تاريخية متعاقبة، حيث كانت تسلكه القوافل التجارية والحجاج القادمون من السودان ودارفور وبلاد غرب إفريقيا فى طريقهم إلى الأراضى المقدسة مروراً بمصر، بينما كان التجار يعبرونه محملين بالبضائع التى ربطت بين وادى النيل وعمق القارة السمراء.
واكتسب الطريق اسمه من المدة التى كانت تستغرقها القوافل القادمة من السودان والحبشة إلى أسيوط، والتى كانت تصل إلى أربعين يوماً كاملة على ظهور الجمال، ليصبح أحد أشهر المسارات الصحراوية فى التاريخ.. وذكر الرحالة المغربى ابن بطوطة فى رحلاته أوصافاً لمسارات القوافل التى كانت تربط شمال إفريقيا ووسطها بغربها، موضحاً أن الطريق كان يمثل شرياناً تجارياً مهماً يمتد من مصر عبر السودان وصولاً إلى مناطق مالى وتمبكتو وغيرها من مدن إفريقيا التاريخية.
وقال الدكتور أحمد عوض وكيل وزارة الآثار الإسلامية والقبطية بأسيوط سابقا، إن إحياء طريق «درب الأربعين» لا يمثل مجرد مشروع لإعادة فتح مسار تاريخى قديم بل يعد مشروعاً حضارياً وتنموياً متكاملاً من شأنه إحداث نقلة نوعية فى جنوب مصر، عبر إعادة ربط محافظات الصعيد بعمقها الإفريقى وامتداداتها التاريخية مع السودان وبلدان الجنوب.
وأضاف عوض أن الطريق الذى كان على مدار قرون شرياناً رئيسياً للتجارة والحج وانتقال القوافل بين مصر ووسط وغرب إفريقيا، يمكن أن يتحول إلى محور للتنمية المستدامة إذا ما جرى استثماره بالشكل الأمثل، من خلال دمج البعدين الاقتصادى والثقافى، وإحياء التراث المرتبط به، وتوثيق معالمه الأثرية والتاريخية، بما يسهم فى تنشيط السياحة الثقافية والبيئية وسياحة المغامرات، وأشار عوض إلى أن إعادة إحياء «درب الأربعين» من شأنها وضع محافظة أسيوط ومحافظات الصعيد على خريطة السياحة العالمية باعتبارها حاضنة لإرث حضارى وإنسانى فريد، فضلاً عن خلق فرص استثمارية جديدة، وتوفير فرص عمل لأبناء المناطق الواقعة على امتداد الطريق، بما يعزز جهود الدولة لتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة فى المناطق الحدودية والصحراوية.
ولم يكن درب الأربعين مجرد طريق للتجارة، بل كان أيضاً ممراً دينياً وثقافياً مهماً، حيث استخدمه الحجاج القادمون من السودان وبلاد غرب إفريقيا فى طريقهم إلى الأراضى المقدسة، كما ارتبط بحركة الزوار المتجهين إلى دير المحرق بأسيوط، أحد أهم المزارات المسيحية فى مصر، ما جعله ممراً يجمع بين الثقافات والأديان المختلفة عبر قرون طويلة.
ويؤكد الباحث السودانى إبراهيم محمد إسحاق أن الطريق اشتهر بتجارة الإبل التى كانت تبدأ من مدينة الفاشر عاصمة دارفور وصولاً إلى إمبابة بمحافظة الجيزة، مشيراً إلى دوره الكبير فى انتقال الطرق الصوفية وحركة العلماء والحجاج بين دول غرب إفريقيا ومصر، كما حمل آلاف الحجاج من برنو وكانم وغيرهما من مناطق إفريقيا الغربية فى رحلتهم إلى الحجاز، واستقر بعضهم فى القرى الدارفورية وأسهموا فى نشر التعليم وافتتاح الخلاوى وتحفيظ القرآن الكريم.
وترجع أهمية درب الأربعين إلى عصور ما قبل الأسرات المصرية، حيث كشفت الرسوم الصخرية والآثار المكتشفة على امتداد الطريق عن وجود نشاط تجارى واسع النطاق بين مصر وبلاد السودان، وكانت مصر تصدّر عبر هذا الطريق المصنوعات المعدنية وأوانى المرمر والزيوت والمصوغات، بينما كانت تستورد من دارفور وبلاد إفريقيا الذهب والعاج والأبنوس وريش النعام والبخور والأحجار الكريمة وجلود الحيوانات النادرة، وهى سلع كانت تمثل قيمة اقتصادية ودينية كبيرة فى الحضارات القديمة.
كما أظهرت الدراسات الأثرية الحديثة أهمية المنطقة التى يمر بها الدرب، خاصة فى منطقة وادى هور بالسودان، حيث أثبتت الأبحاث أن الوادى كان نهراً قديماً يمتد لنحو ألف كيلومتر، وكانت تغذيه المياه القادمة من هضبة جبل مرة قبل أن يلتقى بالنيل قرب دنقلا، وهو ما يعكس حجم النشاط البشرى والتجارى الذى شهدته المنطقة عبر التاريخ.
وتشير المصادر التاريخية إلى الدور الذى لعبه الأمير همام بن يوسف فى تأمين القوافل التجارية والحجاج المارين عبر الدرب، حيث يذكر المؤرخ عبد الرحمن الجبرتى أن الأمير همام كان يستقبل القوافل القادمة عبر الطريق ويكرم وفادتها ويوفر لها الحماية والمؤن مهما طالت مدة إقامتها، كما كان يساهم فى دعم قوافل الحج وتأمين مساراتها داخل الصعيد وإرسال الهدايا والعون للحجاج.
وفى مطلع الألفية الجديدة برزت محاولات لإحياء الطريق ضمن خطط الدولة للتوسع العمرانى والتنمية فى جنوب الوادى، حيث ارتبطت فكرة تطوير درب الأربعين بمشروعات توشكى وشرق العوينات والوادى الجديد، بهدف تحويله إلى محور تنموى وتجارى يربط مصر بعمقها الإفريقى، وشهدت المنطقة تنفيذ أجزاء من محور ديروط - الفرافرة، إلا أن استكمال الطريق حتى شرق العوينات وأبو سمبل من شأنه أن يفتح آفاقاً جديدة للتجارة والاستثمار والزراعة، خاصة مع وجود مساحات شاسعة من الأراضى القابلة للاستصلاح وخزانات المياه الجوفية الضخمة بالصحراء الغربية.