ترتبط مصر بذاكرة الإنسان الروحية كواحدة من تلك البلاد كانت أرضًا تفاعلت فيها الرسالات السماوية والحضارة؛ فصاغت عبر آلاف السنين هوية خاصة تجمع بين الإيمان والانتماء للوطن، فى مصر الدين لله والوطن لله، ورحمة الله تتسع للجميع والوطن يتسع لجميع أبنائه.
ومنذ أقدم العصور، ارتبطت مصر بفكرة المقدس والبحث عن ماهية الوجود وما بعد الموت؛ فقد قامت الحضارة المصرية القديمة على رؤية عميقة لعلاقة الإنسان بالكون وغايته، ثم جاءت الرسالات السماوية لتضيف طبقات جديدة إلى هذا التراكم الحضارى؛ فأصبحت مصر واحدة من أبرز البلاد التى التقت فيها السماء بالتاريخ.
كانت مصر عبر تاريخها ملتقى للرسالات السماوية؛ ارتبطت بذكر يوسف بن يعقوب، واحتضنت قصة موسى بكل تفاصيلها، وكانت ملاذا للسيد المسيح والسيدة مريم فى رحلتهما المقدسة، ثم أصبحت بعد دخول الإسلام أحد أهم مراكز الحضارة الإسلامية؛ فمصر أعادت التفاعل معها داخل نسيجها الحضارى المتواصل، وهى مذكورة فى القرآن الكريم وكتب لاسمها التفرد والخلود داخل كتاب الله المحفوظ إلى يوم الدين.
كما أن قداسة مصر لم ترتبط فقط بالأحداث الدينية الكبرى، بل بالأماكن التى أصبحت جزءًا من الذاكرة الروحية للإنسان؛ من طور سيناء إلى الأديرة القديمة التى حفظت تراث الرهبنة المسيحية، إلى المساجد التاريخية التى أصبحت مراكز للعلم والروحانية.
وتقوم التجربة المصرية على التراكم الحضارى الروحى؛ فالمسيحية المصرية التى تشكلت داخل البيئة المصرية أصبحت جزءا أصيلا من تاريخ الوطن ونضاله منذ عصر الشهداء، كما خرجت منها تقاليد الرهبنة التى أثرت العالم المسيحي، وأصبح النموذج المصرى فى الزهد والرهبنة علامة بارزة فى التاريخ الإنسانى، وظل المسيحى المصرى مرتبطا بأرضه وحضارته، فلم يرَ تعارضا بين الإيمان والانتماء، وهو ما تجسد فى كافة المحن التى شهدها الوطن.
يميل الإسلام المصرى إلى الوسطية كنهر النيل الذى يتوسط مصر ويبعث الحياة والحضارة على ضفافها؛ فمحبة آل البيت ترسخت فى الوجدان المصرى، لكنها لم تتحول إلى مشروع مذهبى سياسى، كما أن محبة الصحابة والارتباط بالتراث السنى لم يتحولا إلى دعوة لصراع تاريخي، بل بقى التدين المصرى مساحة تجمع بين العقيدة والروح والثقافة.
يعد الأزهر الشريف أحد أبرز مظاهر هذا الدور الحضاري؛ حيث أصبح مركزا للعلم والفكر والثقافة، استقبل طلاب العلم من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وحافظ على حضور مصر باعتبارها مركزا معرفيا وروحيا، وله دور كبير فى مواجهة التطرف ومقاومة الفكر التكفيرى الذى يفتح أبواب الفتنة والانقسام.
ويميل المزاج الدينى المصرى إلى التسامح والاعتدال والتصوف؛ ولهذا أصبحت مركزا للعلماء والقديسين، ومقصدا للباحثين عن المعرفة والروحانية، من أديرتها القديمة إلى مساجدها العريقة ومناراتها العلمية الحديثة.
وهوية مصر الدينية لا تعرف أغلبية وأقلية؛ فى مصر الدين لله والوطن لله؛ فلا يُستغل الدين لهدم الوطن، ولا الوطن لمحاربة الدين؛ فالدين يدعو إلى حفظ الأوطان، وإقامة العدل، وصون الدماء، وحماية الإنسان والحيوان، والوطن الصالح يهيئ للناس حرية العبادة، ويخلق مساحة من الأخوة والمحبة والتسامح، فالدين والوطن متكاملان فالوطن يحمى دور العبادة، والدين يغرس فى النفوس الأمانة والعدل والرحمة.
وفى مصر، الوطن ليس مجرد حفنة من تراب، بل هو تراب مقدس يفديه أبناؤه بدمائهم، وهو تاريخ وهوية ورسالة، وحصن يحمى الجميع، والدين يدعو إلى عمارة الأرض والإصلاح فيها، والوطن هو الميدان الذى تتحقق فيه هذه القيم، وهكذا تبقى مصر أرض الرسالات؛ وطنا يحرس الإيمان، وإيمانا يدعو إلى حفظ الوطن، فتلتقى فى شخصيتها رسالة السماء مع مسئولية الأرض.
باحث علوم سياسية

جنازة أسبوع!
قانون ميسى .. «وعايزنى أكسبها» ؟!
ضاعت الفرصة بفعل فاعل والفراعنة أبطال من كل الوجوه






