شجون كروية

مصر والأرجنتين قراءة فى مباراة تاريخية

أحمد سلام
أحمد سلام


أحمد سلام

إنها المرة الأولى فى حياتى التى أكتب فيها عن مباراة لكرة القدم، فعلى امتداد سنوات عملى انصبت كتاباتى على السياسة والعلاقات الدولية والقضايا الإستراتيجية، تاركًا التحليل الرياضى لأهله، لكن ما شهدته مباراة مصر والأرجنتين فى دور الـ16 من كأس العالم 2026 دفعنى إلى كسر هذه القاعدة، لأن القضية لم تعد مجرد نتيجة مباراة، بل أصبحت تمس قيم العدالة والشفافية وتكافؤ الفرص التى قامت عليها الرياضة.


ولعل أول ما استوقفنى كان الرسالة الراقية التى وجهها الرئيس عبد الفتاح السيسى إلى المنتخب الوطني، قائلًا: «شكرًا لأبطال المنتخب الوطنى لكرة القدم على الأداء المشرف، وتحقيق إنجاز غير مسبوق فى تاريخ كرة القدم المصرية.. نفخر بكم وبإنجازكم، والمستقبل أفضل لكم بإذن الله تعالى.» وقد عبرت هذه الكلمات عن مشاعر ملايين المصريين، إذ ركزت على قيمة الإنجاز والأداء المشرف، لا على نتيجة المباراة وحدها.


لقد واجه المنتخب المصرى بطل العالم دون رهبة، وقدم واحدة من أفضل مبارياته، متقدمًا بهدفين كاملين بفضل الانضباط التكتيكى والإصرار وروح الفريق. ويكفيه فخرًا أنه كان المنتخب الوحيد الذى نجح فى تسجيل هدفين فى شباك الأرجنتين خلال هذه النسخة من كأس العالم، ليؤكد أن الإرادة قادرة على منافسة أكبر المنتخبات.


ورغم انتهاء اللقاء بفوز الأرجنتين، فإن بعض القرارات التحكيمية أثارت جدلًا واسعًا بين الجماهير والمحللين، وطرحت تساؤلات حول معايير تطبيق تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR). والمطالبة بالشفافية فى مثل هذه الحالات ليست اعتراضًا على الخسارة، بل دفاعاً عن نزاهة اللعبة وعدالة المنافسة.
وبحكم عملى فى مجال الإعلام، كان من الطبيعى أن أتجاوز ردود الفعل المحلية إلى متابعة ما نشرته وسائل الإعلام الدولية، باعتبارها مرآة مهمة لقياس كيفية تناول العالم لهذه المباراة. وفى رصد أولى لردود الفعل الدولية ، أبرزت وكالة رويترز احتجاجات الجهاز الفنى المصرى على بعض القرارات التحكيمية، فيما وصفت وكالة أسوشيتد برس ما حققه المنتخب المصرى بأنه أفضل إنجاز فى تاريخ مشاركاته بكأس العالم، مؤكدة أن الجماهير المصرية، رغم حزنها على النتيجة، خرجت فخورة بما قدمه فريقها. كما أشادت الجزيرة الإنجليزية بالأداء البطولى للمنتخب، ورصدت حالة التعاطف الدولى التى حظى بها عقب خروجه من البطولة.
وامتد الجدل إلى صحف عالمية مؤثرة؛ إذ تناولت صحيفة «ذا تايمز أوف إنديا» الهندية النقاش الواسع الذى أثارته القرارات التحكيمية على منصات التواصل الاجتماعى، بينما اعتبرت صحيفة « الجارديان» البريطانية المباراة واحدة من أكثر مباريات البطولة إثارة للجدل، كما رصدت صحيفة «داون» الباكستانية الصادرة بالانجليزية  التفاعل الكبير مع أحداث المباراة، مؤكدة أنه أصبح من أبرز أحداث البطولة إعلاميًا.
وفى الإعلام لإإن انتقال قضية من كونها شأنًا محليًا إلى موضوع تتناوله كبريات وكالات الأنباء والصحف العالمية، يعد مؤشرًا على أن الحدث تجاوز حدود المنافسة الرياضية، وأصبح قضية رأى عام دولى.
كما أعادت البطولة إلى الواجهة النقاش المتجدد حول العلاقة بين السياسة والرياضة. فرغم أن المواثيق الرياضية تؤكد استقلال المنافسات عن الاعتبارات السياسية، فإن الواقع يكشف تداخلًا بينهما فى كثير من الأحيان، وهو ما يفرض ضرورة حماية استقلال الرياضة، وتعزيز الشفافية، وضمان تطبيق القوانين بمعيار واحد على الجميع، دون أن يعنى ذلك اتهام أحد أو إطلاق استنتاجات لا تستند إلى أدلة.
لقد قدم المنتخب المصرى نموذجًا للفريق المقاتل، واستحق احترام جماهيره، كما حظى بتقدير واسع من جماهير عربية ودولية رأت فى أدائه مثالًا للإصرار والكبرياء. ومن هنا أتوجه بالتحية إلى الجهاز الفنى بقيادة الكابتن حسام حسن، وإلى جميع اللاعبين، الذين أثبتوا أن الكرة المصرية قادرة على المنافسة متى توافرت الرؤية والإعداد والفرصة.
سيظل التاريخ يذكر أن منتخب مصر وقف شامخًا أمام بطل العالم، وأنه كان المنتخب الوحيد الذى سجل هدفين فى مرمى الأرجنتين خلال هذه البطولة، وأنه خرج من كأس العالم، لكنه كسب احترام العالم... وهو احترام لا يقل قيمة عن أى لقب.
ونتناول فى الجزء الثانى من هذا المقال قراءة موثقة لأبرز ردود الفعل الدولية وشهادات خبراء التحكيم والقانون الرياضى.