د.فتحى عامر
كل عام، ومع انطلاق امتحانات الثانوية العامة، تتجدد حالة القلق داخل ملايين البيوت المصرية، لكن ما حدث فى امتحانات عام 2026، خاصة فى مادتى اللغة العربية والكيمياء، تجاوز حدود القلق الطبيعى إلى حالة من الفزع الحقيقى. فاللغة العربية، صاحبة أعلى مجموع فى الثانوية العامة بـ80 درجة، جاءت - وفق شكاوى واسعة من الطلاب وأولياء الأمور - طويلة، كثيفة، وتحتاج إلى وقت أكبر من الزمن المخصص، ثم جاء امتحان الكيمياء ليزيد المشهد توترا، بعدما وصفه كثيرون بأنه بالغ الصعوبة.
وراء كل طالب حكاية أسرة تحملت فوق طاقتها. أسر باعت ما تملك، وأخرى استدانت، وثالثة اقتطعت من احتياجاتها الأساسية لتوفير الدروس الخصوصية، والكتب الخارجية، والمراجعات النهائية، والمجموعات الخاصة، أملا فى أن يحصل الأبناء على فرصة عادلة. لكن عندما يجد الطالب نفسه أمام امتحان يفوق الزمن المتاح، أو أسئلة تحتاج إلى وقت طويل فى التفكير والإجابة، فإن الإحساس بالظلم يصبح حاضرا بقوة.
ولا يتعلق الأمر بصعوبة الأسئلة وحدها، بل أيضا بطبيعة نظام الامتحان نفسه. فالبابل شيت يستهلك وقتا وجهدا كبيرين؛ يبدأ الطالب بتظليل رقم الجلوس ثم ينتقل إلى تظليل إجابات عشرات الأسئلة، التى تجاوزت فى اللغة العربية 55 سؤالًا، وهو ما يتطلب تركيزا شديدًا حتى لا يقع فى خطأ قد يضيع عليه درجات ثمينة. ومع ضغط الوقت، يصبح التوتر عاملًا إضافيًا يؤثر فى الأداء، حتى بالنسبة للطلاب المتفوقين.
الامتحان الجيد ليس الامتحان الذى يعجز الطلاب عن حله، وإنما الذى يقيس الفروق بينهم بعدالة، ويراعى الزمن المحدد، ويمنح كل طالب فرصة حقيقية لإظهار مستواه. أما تحويل الامتحان إلى معركة مع الوقت، واستعراض لقدرات واضعى الأسئلة، فلا يحقق الهدف التربوى المنشود.
ويبقى السؤال الذى يتردد على ألسنة أولياء الأمور: لمصلحة من ترتفع درجة الصعوبة إلى هذا الحد؟ وهل الهدف هو فرز الطلاب فقط، أم أن هناك عوامل أخرى ترتبط بتغيير خريطة التعليم العالى، فى ظل التوسع الكبير فى الجامعات الأهلية، والتكنولوجية، والرقمية، إلى جانب الجامعات الحكومية والخاصة والمعاهد العليا والأكاديميات؟ قد لا توجد أدلة على وجود علاقة مباشرة، لكن هذه التساؤلات أصبحت مطروحة بقوة فى الشارع المصرى.
وفى النهاية، يبقى الهم الأكبر هو مستقبل الأبناء. فإذا انخفضت المجاميع، واضطر آلاف الطلاب إلى اللجوء لجامعات تتجاوز مصروفاتها فى بعض التخصصات 300 ألف جنيه سنويًا، فمن أين يأتى ولى الأمر بهذه الأموال بعد سنوات من الإنفاق على رحلة الثانوية العامة؟ إنها معادلة تحتاج إلى مراجعة، لأن العدالة فى التعليم لا تتحقق فقط بصعوبة الامتحان، بل بتكافؤ الفرص، ومراعاة ظروف الطلاب والأسر التى لم يعد لديها سوى أن تقول: حسبنا الله ونعم الوكيل.

جنازة أسبوع!
قانون ميسى .. «وعايزنى أكسبها» ؟!
ضاعت الفرصة بفعل فاعل والفراعنة أبطال من كل الوجوه






