آخر كلام

درع الوطن وسيفه

أحمد هاشم
أحمد هاشم


منذ أن تقلد الرئيس عبدالفتاح السيسى منصب وزير الدفاع والإنتاج الحربى كان الهدف الأول أمام عينيه تطوير قدرات الجيش المصرى والنهوض به ليكون من أقوى الجيوش على مستوى العالم، فقد تولى هذا المنصب فى فترة عصيبة ومضطربة كانت تمر بها مصر وعدة دول بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بعد أن أدرك السيسى أن وجود جيش وطنى قوى ومتطور صمام الأمان للدولة المصرية العريقة، فالجيش عمود الخيمة، القادر على مواجهة الأخطار الداخلية والخارجية، والقادر أيضا على الحفاظ على وحدة وتماسك تراب الوطن.. ولعل الاضطرابات التى نراها فى عدة دول محيطة بنا تؤكد صحة الرؤية العبقرية التى وضعها الرئيس السيسى، وبدأ تنفيذها أثناء توليه وزارة الدفاع، واستمر فى تنفيذها طوال سنوات توليه الرئاسة.

توليه الحكم فى يونيو 2014 بدأ الرئيس ينفذ خطة تنموية للنهوض بمصر فى مختلف المجالات، كان فى مقدمتها بل وفى القلب منها تطوير وتنمية قدرات الجيش المصرى.

وجاء افتتاح الرئيس السيسى لمركز القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية تتويجا لكل الجهود الحثيثة وغير المسبوقة التى بذلها الرئيس ومن ورائه الدولة المصرية، لتطوير قدرات الجيش المصرى خلال السنوات الماضية.

المركز يمثل العقل المفكر والدرع الحصينة للدولة المصرية الحديثة، خاصة أنه ينقل عملية إدارة الأزمات من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة التنبؤ والردع الاستباقى، فالمركز يؤكد رسالة واضحة بامتلاك مصر لأدوات القوة الشاملة لحماية مقدراتها ومحيطها الإقليمي، وفى نفس الوقت فإن المركز لا يمثل تغيرا فى السياسة العسكرية المصرية، فمصر لم تغير سياستها القائمة على السلام والدفاع، لأن العقيدة العسكرية المصرية ثابتة تاريخياً، فهى عقيدة دفاعية ترتكز على حماية الحدود، وصون الأمن القومى، وعدم الاعتداء، لكن إنشاء المركز معناه أن مصر غيرت أدوات القوة لتصبح جيشاً ذكياً رقمياً ومحكماً، يمتلك القدرة على إدارة الأزمات المعقدة وحروب الجيل الخامس بكفاءة تضاهى القوى العظمى عالمياً، فالمركز- كما قلنا - ليس تغييراً فى العقيدة العسكرية المصرية بقدر ما هو تحول جذرى فى أسلوب الإدارة والتنفيذ والأدوات الاستراتيجية.

إن افتتاح مركز القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية "الأوكتاجون" أو ثمانى الأضلاع فى العاصمة الجديدة يُمثل تحولاً نوعياً وجذرياً فى مفهوم إدارة الدولة المصرية والأمن القومى، وليس مجرد نقل مقرات عسكرية أو إدارية.

وقد جاء التصميم على شكل ثمانى الأضلاع (أوكتاجون) ليحمل دلالات استراتيجية وعملية، وهى أن الهيكل التنظيمى للمركز يضم 8 مؤسسات أو مراكز قيادة رئيسية، تمثل أفرع القوات المسلحة وإداراتها الحيوية، مما يجعلها متصلة جغرافياً وعملياتياً فى مكان واحد لأول مرة، كما تم اختيار موقع العاصمة الجديدة ليوفر عمقاً حيوياً بعيداً عن التكدس السكانى فى القاهرة، مع تحصينات هندسية متطورة للغاية ضد التهديدات التقليدية وغير التقليدية (الهجمات السيبرانية، والضربات الجوية، والظروف المناخية القاسية).

وتكمن أهمية المركز فى ثلاثة أبعاد رئيسية، أولها المركزية والسيطرة الموحدة، حيث يوفر المركز قدرة السيطرة والتحكم والاتصال على أعلى مستوى، ففى السابق كانت مراكز اتخاذ القرار العسكرى والأمنى مشتتة جغرافياً، أما الآن فتجتمع كل خيوط إدارة الأزمات فى نقطة مركزية واحدة.

 والبعد الثانى التحول الرقمى وإدارة البيانات، فالمركز مدعوم بشبكة ضخمة من مراكز البيانات فائقة السرعة والمؤمنة بالكامل، مما يتيح لصانع القرار الوصول إلى تدفق معلوماتى لحظى من كافة الجبهات والحدود والمرافق الحيوية فى الدولة.

 ويتمثل البعد الثالث فى الاستمرارية فى ظروف الحرب، فقد تم تصميم المركز ليضمن استمرار عمل مؤسسات الدولة السيادية فى إدارة البلاد حتى فى أحلك الظروف، أو فى حالة تعرض العاصمة لتهديدات مباشرة.

إن الأمن القومى المصرى يواجه تحديات معقدة على جبهات متعددة (الاتجاه الاستراتيجى الغربى، والجنوبى، والشمالى والشرقى، بالإضافة إلى أمن البحرين الأحمر والمتوسط)، ولذلك  يبرز دور المركز فى سرعة الاستجابة للأزمات، بفضل ربط مركز القيادة بمراكز العمليات الفرعية فى كافة الاتجاهات الاستراتيجية، لتتقلص دورة اتخاذ القرار إلى ثوانٍ معدودة، مما يتيح ردعاً فورياً لأى تهديد طارئ.

كما يربط المركز بين التقييم العسكرى والتأمين الاقتصادى، مثل حماية حقول الغاز فى شرق المتوسط، وتأمين الملاحة فى قناة السويس، والمشاريع القومية العملاقة، حيث تتقاطع خطط التأمين العسكرى مع غرف عمليات إدارة مفاصل الاقتصاد.

كما يحتوي المركز على منظومات متطورة للحرب الإلكترونية والأمن السيبرانى، لحماية البنية التحتية الحرجة للدولة مثل شبكات الكهرباء، والمياه، والاتصالات من أى اختراقات قد تستهدف الجبهة الداخلية.

ولا يقتصر المركز على الجانب العسكرى فقط، بل يضم غرفاً لإدارة الأزمات للدولة ككل، مما يسهل التنسيق اللحظى بين القوات المسلحة والوزارات الخدمية والسيادية كالخارجية، والداخلية، والمخابرات فى أوقات الطوارئ.

وكما قلنا فإن إنشاء المركز لا يعنى تغيير مصر سياستها القائمة على السلام والدفاع، بقدر ما هو تحول جذرى فى أسلوب الإدارة والتنفيذ والأدوات الاستراتيجية، فالعقيدة العسكرية المصرية ثابتة تاريخياً، وهى عقيدة دفاعية ترتكز على حماية الحدود، وصون الأمن القومى، وعدم الاعتداء، فمركز القيادة الاستراتيجية الجديد (الأوكتاجون) يعكس تغيراً كبيراً فى السياسة العسكرية من خلال تحولات رئيسية واكبت مفاهيم حروب القرن الحادى والعشرين، وهى  الانتقال من إدارة المنصات إلى الحرب المرتكزة على الشبكات، ففى السياسة العسكرية التقليدية كان التركيز ينصب على قوة النيران وحجم القوات مثل عدد الدبابات، والطائرات، والجنود، أما اليوم فقد انتقلت السياسة العسكرية المصرية إلى هيمنة المعلومات، فالأوكتاجون يمثل العقل الرقمى الذى يربط الطائرة والدبابة والقطعة البحرية ومنظومة الدفاع الجوى بشبكة اتصالات موحدة ومؤمنة، تدعمها تطبيقات الذكاء الاصطناعى لتجميع وتحليل البيانات لحظياً، ودمج الأمن العسكرى بالأمن المدنى أو ما يعرف بمفهوم القوة الشاملة، بعد أن تغيرت السياسة العسكرية لتدرك أن مهددات الأمن القومى لم تعد مجرد جيش نظامى يهاجم الحدود، بل تشمل الهجمات السيبرانية، وتخريب البنية التحتية، والأزمات الاقتصادية، وحروب المعلومات، ولذلك فإنه لأول مرة يضم المركز مراكز بيانات متكاملة تسيطر على مفاصل الدولة الإدارية والخدمية، مثل مركز التحكم فى شبكة الاتصالات الوطنية، ومركز إدارة وتشغيل المرافق الحكومية، ومركز الطوارئ والسلامة، مما يعنى أن السياسة العسكرية أصبحت تدير الأزمات بمفهوم الدولة الشاملة، وليس بمعزل عن القطاع المدنى.

هذا بالإضافة إلى تسريع دورة اتخاذ القرار والردع الاستباقى، فتاريخياً كانت مراكز قيادة أو الأفرع الرئيسية (بحرى، جوى، دفاع جوى) مشتتة جغرافياً، مما قد يستغرق وقتاً فى التنسيق أثناء الأزمات المعقدة والمتسارعة، لكن السياسة الجديدة تقوم على الدمج المكاني والعملياتى المطلق، بوجود جميع القادة تحت سقف واحد وفى مجمع حصين، لتتقلص مرحلة اتخاذ القرار من ساعات إلى ثوانٍ معدودة، مما يمنح الجيش المصرى قدرة على الردع الاستباقى السريع فى محيط إقليمي شديد الاضطراب.

كما أن مركز القيادة الاستراتيجية يكرس مفهوم العمق الاستراتيجى الحصين والمستدام، لأن نقل القيادة من قلب القاهرة التاريخية والمكتظة بالسكان إلى مجمع يمتد على مساحة ضخمة جداً تبلغ نحو 22 ألف فدان ومحصن تحت الأرض وفوقها يعكس تغيراً فى الفكر الدفاعى؛ حيث يعتمد الآن على ضمان استمرارية عمل الدولة والقيادة تحت أى ظروف حرجة أو هجمات غير تقليدية، وبعيداً عن أى ضغوط لوجستية داخل القاهرة.