الغربية - ماجدة شلبي
لم تعد مشاهدة الثعابين في القرى المصرية، مجرد واقعة عابرة أو حدث نادر، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مشاهد متكررة، تثير القلق بين الأهالي، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف، وبينما اعتاد المزارعون رؤية بعض الزواحف غير السامة داخل الحقول، فإن ظهور الكوبرا المصرية إحدى أخطر الأفاعي السامة في العالم، غيّر المشهد تمامًا وأثار تساؤلات واسعة حول أسباب انتشارها ومدى خطورتها وكيفية الوقاية منها؟.
ومع تكرار البلاغات عن ظهور الكوبرا، في عدد من قرى الدلتا، تصاعدت حالة الخوف بين المواطنين، خصوصًا بعد تسجيل حالات وفاة وإصابات في محافظات مختلفة، فضلاً عن نجاح قوات الحماية المدنية في اصطياد أفاعٍ ضخمة داخل مناطق مأهولة بالسكان.
- كوبرا بطول مترين تثير الذعر في الغربية
كانت محافظة الغربية، واحدة من أبرز المحافظات التي شهدت ظهور الكوبرا، خلال الأشهر الماضية، بعدما فوجئ أهالي قرية المنشأة الكبرى التابعة لمركز السنطة، بوجود أفعى كوبرا ضخمة، أعلى إحدى أشجار البرتقال المطلة على طريق يستخدمه المزارعون والأهالي يوميًا.

المشهد أثار حالة من الذعر، خاصة بعدما تبين أن الثعبان من نوع الكوبرا المصرية شديدة السمية، ويبلغ طوله نحو مترين وهو حجم يعكس مدى خطورته وقدرته على الحركة والاختباء بين الأشجار والحشائش الكثيفة.
وعلى الفور انتقلت قوات الحماية المدنية إلى موقع البلاغ، وفرضت كردونًا أمنيًا حول المنطقة، قبل أن تتمكن من اصطياد الأفعى، والتعامل معها باحترافية، ثم بدأت أعمال تمشيط واسعة للحقول والزراعات المجاورة، للتأكد من خلو المكان من أي ثعابين أخرى قد تشكل خطرًا على المواطنين.
اقرأ ايضا| حملة مكبرة لمطاردة الثعابين بـ«البيض المسموم» في المنوفية
لكن المفاجأة التي زادت من قلق الأهالي، كانت العثور لاحقًا على ثعبانين آخرين في المنطقة نفسها من نفس النوع "ثعبان الكوبرا" وهو ما دفع المختصين إلى التحذير من احتمال وجود بيئة مناسبة لتجمع هذه الزواحف داخل تلك الرقعة الزراعية.

- لماذا ظهرت أكثر من أفعى في ذات المكان؟
يرى خبراء الزواحف أن العثور على أكثر من كوبرا في موقع واحد ليس أمرًا غريبًا كما يعتقد البعض بل قد يكون نتيجة طبيعية لتوافر الظروف البيئية المناسبة، فالمناطق الزراعية الكثيفة خاصة التي تضم أشجارًا كثيفة مثل البرتقال أو المانجو، تمثل بيئة مثالية لاختباء الثعابين، كما أن انتشار الفئران والقوارض والضفادع، يوفر مصدرًا دائمًا للغذاء وهو ما يجعل هذه المناطق جاذبة للأفاعي.
كذلك قد توجد جحور قديمة أو شقوق طينية أو مصارف مهجورة تستخدمها الثعابين كمخابئ، وقد تتشارك أكثر من أفعى في المنطقة نفسها إذا توافرت عوامل الأمان والغذاء والرطوبة.
ويشير متخصصون، إلى أن أشهر الصيف تشهد ذروة نشاط الثعابين إذ تدفعها درجات الحرارة المرتفعة، إلى مغادرة جحورها بحثًا عن أماكن أكثر اعتدالًا أو عن مصادر للمياه والغذاء، فتقترب تدريجيًا من القرى والحقول والمنازل الريفية.
- أسباب انتشار الكوبرا في محافظات الدلتا
محافظات الدلتا تمتلك طبيعة بيئية تساعد على وجود الثعابين، فهي تضم ملايين الأفدنة المزروعة وشبكات واسعة من الترع والمصارف، إضافة إلى الحشائش الكثيفة والأراضي الطينية وهي كلها أماكن توفر مأوى مناسبًا لهذه الزواحف.

ويؤكد متخصصون أن الكوبرا المصرية، تنتشر بصورة أكبر في المناطق الزراعية، حيث تعتمد في غذائها على الفئران والجرذان والضفادع لذلك فإن أي زيادة في أعداد القوارض تعني تلقائيًا زيادة فرص ظهور الثعابين.
كما أن أعمال تطهير وتبطين الترع رغم أهميتها الكبيرة تدفع بعض الثعابين إلى مغادرة أوكارها القديمة، لتبدأ رحلة بحث عن أماكن جديدة للاختباء وهو ما يفسر ظهورها أحيانًا بالقرب من القرى أو داخل الأراضي الزراعية.
ولا يمكن تجاهل تأثير التغيرات المناخية، إذ تؤدي موجات الحر الشديدة إلى زيادة حركة الثعابين بينما تسبب التغيرات البيئية واختفاء بعض أعدائها الطبيعية مثل النمس في اختلال التوازن البيئي وارتفاع أعدادها.
- الكوبرا المصرية واحدة من أخطر الأفاعي
يصنف العلماء الكوبرا المصرية ضمن أخطر الثعابين السامة في العالم بسبب امتلاكها سمًا عصبيًا شديد التأثير يمكن أن يؤثر سريعًا في الجهاز العصبي والتنفس إذا لم يحصل المصاب على العلاج المناسب في الوقت المناسب.

ورغم سمعتها المخيفة فإن الكوبرا لا تهاجم الإنسان عادة من تلقاء نفسها بل تلجأ إلى الدفاع عن نفسها عندما تشعر بالخطر أو إذا اقترب منها شخص دون أن ينتبه لوجودها.
ولهذا ينصح الخبراء بعدم محاولة الإمساك بأي ثعبان أو قتله بصورة فردية لأن ذلك يزيد احتمالات التعرض للدغ بينما يبقى الحل الأكثر أمانًا هو الابتعاد فورًا وإبلاغ الحماية المدنية أو الجهات المختصة للتعامل معه بطريقة احترافية.
- ذروة نشاط الكوبرا المصرية
أثار تكرار ظهور الكوبرا في عدد من قرى الدلتا خلال السنوات الأخيرة العديد من التساؤلات وفتح الباب أمام انتشار شائعات تتحدث عن إطلاق الثعابين عمدًا أو انتقالها من مناطق صحراوية إلى الأراضي الزراعية إلا أن خبراء الزواحف أكدوا أن الواقع مختلف تمامًا وأن ما يحدث هو نتيجة مباشرة لتغيرات بيئية ومناخية دفعت هذه الأفاعي إلى مغادرة مخابئها الطبيعية.

وقال الدكتور حسام طلبة خبير الزواحف، إن الفترة من يونيو وحتى سبتمبر تمثل ذروة نشاط الكوبرا المصرية حيث تتزامن مع موسم التزاوج وارتفاع معدلات الحركة البيولوجية، مشيرًا إلى أن موجات الحر الشديدة ترفع درجة حرارة الجحور فتضطر الأفاعي إلى الخروج بحثًا عن أماكن أكثر رطوبة وظلًا وهو ما يفسر ظهورها أسفل الأشجار الكثيفة أو بين الزراعات كما حدث في واقعة شجرة البرتقال بقرية المنشأة الكبرى بمحافظة الغربية
وأضاف أن الكوبرا بطبيعتها لا تهاجم الإنسان لكنها تدافع عن نفسها إذا شعرت بالخطر أو حوصرت لذلك فإن أغلب حوادث اللدغ تقع نتيجة الاقتراب منها دون الانتباه لوجودها أثناء العمل في الحقول أو السير بين الحشائش.
- خلل في التوازن البيئي
ومن جانبه، أوضح الباحث وصائد الثعابين أحمد رجب الدكروني أن أعمال تبطين وتطهير الترع والمصارف رغم أهميتها في تحسين منظومة الري أدت إلى إزالة الحشائش الكثيفة والشقوق الطينية التي كانت تمثل المأوى الطبيعي للأفاعي منذ سنوات طويلة وهو ما أجبرها على البحث عن أماكن بديلة داخل الأراضي الزراعية والقرى.

وشدد الدكروني على أن الكوبرا المصرية ليست كائنًا دخيلًا على بيئة الدلتا وإنما تعيش في مصر منذ آلاف السنين وأن ظهورها الحالي لا يعني زيادة مفاجئة في أعدادها بقدر ما يعكس تغيرًا في بيئتها الطبيعية رافضًا الشائعات التي تزعم أن هناك من يطلق هذه الثعابين عمدًا في القرى.
اقرأ ايضا| بعد وفاة 3 مواطنين.. طلب إحاطة لوضع خطة وطنية لمواجهة انتشار الثعابين السامة
وفي السياق ذاته، أكد الدكتور عمر تمام أن الخلل في التوازن البيئي كان أحد العوامل المؤثرة موضحًا أن تراجع أعداد بعض المفترسات الطبيعية، إلى جانب التغيرات المناخية ساهم في زيادة نشاط الأفاعي وظهورها بشكل أكبر خاصة في المناطق الزراعية.
وأضاف أن القرى التي تنتشر بها القوارض والمنازل المهجورة وأكوام القمامة والحشائش الكثيفة توفر بيئة مثالية للكوبرا لأن الفئران والجرذان تمثل غذاءها الرئيسي لذلك فإن مكافحة القوارض والمحافظة على نظافة البيئة تعد من أهم وسائل الحد من ظهورها.
- كيف نحمي أنفسنا من الكوبرا؟
يشدد الخبراء على أن الوقاية هي خط الدفاع الأول خاصة بالنسبة للمزارعين الذين يقضون ساعات طويلة داخل الحقول، وينصح المختصون بارتداء أحذية طويلة وجوارب سميكة أثناء العمل في الأراضي الزراعية وتجنب السير ليلًا وسط الحشائش الكثيفة أو المناطق غير الممهدة مع استخدام كشافات الإضاءة قبل دخول الأماكن المظلمة أو المخازن أو الحظائر.

كما يؤكدون أهمية إزالة الحشائش الجافة وأكوام الأخشاب والطوب والكراكيب المحيطة بالمنازل وسد الشقوق والجحور والتخلص من القمامة أولًا بأول ومكافحة الفئران والجرذان التي تعد المصدر الرئيسي لغذاء الثعابين.
ويحذر الخبراء من محاولة الإمساك بأي ثعبان أو قتله بصورة فردية لأن هذه المحاولات تنتهي في كثير من الأحيان بلدغات خطيرة مؤكدين أن التصرف الصحيح هو الابتعاد فورًا وإبلاغ الحماية المدنية أو الجهات المختصة.
- لدغة الكوبرا دقائق قد تصنع الفارق بين الحياة والموت
ويؤكد الأطباء، أن سرعة التصرف بعد التعرض للدغة كوبرا تمثل العامل الأهم في إنقاذ حياة المصاب، إذ يحتوي سم الكوبرا المصرية على سم عصبي شديد التأثير قد يؤثر في الجهاز العصبي والتنفس، إذا لم يتم العلاج سريعًا.
وينصح الأطباء بتهدئة المصاب ومنعه من الحركة قدر الإمكان، لأن الحركة تساعد على انتشار السم داخل الجسم، مع تثبيت الطرف المصاب ونقله فورًا إلى أقرب مستشفى يتوافر به مصل مضاد لسموم الثعابين.

وفي المقابل، يحذر المختصون من بعض الممارسات الخاطئة التي لا تزال منتشرة بين الأهالي مثل شق مكان اللدغة أو محاولة امتصاص السم بالفم، أو ربط الطرف المصاب بقوة أو وضع مواد كيميائية أو أعشاب على الجرح لأنها قد تزيد من المضاعفات وتؤخر العلاج الصحيح.
ويؤكد أطباء السموم أن العلاج الفعال هو التوجه السريع إلى المستشفى لتقييم الحالة وإعطاء المصل عند الحاجة مع متابعة العلامات الحيوية للمصاب حتى استقرار حالته.
- الوعي هو السلاح الأقوى
ورغم حالة القلق التي تثيرها مشاهدة الكوبرا في بعض القرى فإن الخبراء يؤكدون أن التعامل العلمي مع الظاهرة يظل أكثر فاعلية من الخوف أو تداول الشائعات، فالكوبرا جزء من النظام البيئي لكنها تصبح خطرًا عندما يقترب الإنسان من أماكن وجودها أو عندما تدفعها الظروف البيئية إلى مغادرة مخابئها الطبيعية ولذلك فإن الحفاظ على نظافة البيئة وتقليل مصادر جذب القوارض والإبلاغ السريع عن أي ظهور للثعابين وترك التعامل معها للمتخصصين تبقى الخطوات الأهم لحماية المواطنين.
وتؤكد الوقائع الأخيرة في قرى الدلتا، وعلى رأسها ما شهدته قرية المنشأة الكبرى بمركز السنطة، أن مواجهة هذه الظاهرة لا تعتمد فقط على سرعة استجابة الحماية المدنية، وإنما تبدأ بوعي المواطنين وفهمهم لطبيعة هذه الزواحف وأسباب ظهورها، حتى لا يتحول الخوف إلى كارثة ولا تتحول الشائعات إلى مصدر جديد للذعر.

حوار| مفتش آثار الدلتا: مسجد عبد العزيز رضوان تحفة معمارية فريدة.. ولكن
مكتبة المتحف المصري الكبير.. مركز عالمي جديد للمعرفة والبحث العلمي
بطيخ قلابشو.. معايشة ميدانية ترصد معاناة المزارعين بعد موسم شاق






