ترامب، مهما بلغت اندفاعاته، يتعامل مع القوة باعتبارها أداة لتحقيق صفقة أو انتزاع مكسب، ثم يتوقف عندما يشعر بأن تكلفة المواجهة تتجاوز عائدها، أما نتنياهو، فلا يعرف حدودًا للحرب، ولا يعترف بلحظة، ينبغى عندها إطفاء النيران، واعتاد أن يقيس نجاحه بمقدار ما يخلقه من أزمات، ويعتقد أن قامته السياسية، لا ترتفع إلا فوق أنقاض المدن وركام البيوت وجثث الضحايا.
ربما اكتشف ترامب متأخرًا أن نتنياهو لا يريد منه مجرد الدعم، وإنما شريكًا فى كل معركة، وممولًا لكل فاتورة، ومع كل جبهة تشتعل كانت واشنطن تجد نفسها أمام خسائر سياسية واستراتيجية،لاعلاقة لها بأمنها القومى، بينما يحصد نتنياهو مكاسب داخلية، أو يؤجل أزماته السياسية، أو يهرب إلى الأمام.
فى لبنان لم تكن الحسابات متطابقة، ترامب يدرك أن حربًا واسعة ستمتد إلى الإقليم كله، وتهدد مصالحها وشركاءها، وتضع المنطقة على حافة انفجار، لا يمكن التكهن بنتائجه، أما نتنياهو فيرى أن مزيدًا من النار، يصنع نصرًا سياسيًا، حتى لو تحول الشرق الأوسط إلى ساحة مفتوحة للفوضى.
وفى إيران، كان الخلاف أكثر عمقًا، واشنطن تعرف أن استمرار التصعيد، يشعل حربًا إقليمية تستنزف الجميع، وتربك الاقتصاد العالمى، وتفتح أبوابًا يصعب إغلاقها، وظل الخيار الأمريكى محكومًا بحسابات الردع والاحتواء، لا الرغبة فى الانفجار الكبير.
وهنا تكمن الأزمة، واشنطن لا تقيس نجاحها بعدد الصواريخ التى تُطلق، وإنما بحجم المصالح التى تتحقق، أما نتنياهو، فيقيس نجاحه بقدر ما يطيل عمر حكومته، وبقاء المجتمع الإسرائيلى ملتفًا حوله تحت شعار الحرب، وهى معادلة تقوم على «توظيف الدم فى السياسة»، وتحويل المعارك إلى وسيلة للبقاء.
الأمر لا يعنى أن واشنطن ستظل أسيرة لخيارات نتنياهو إلى ما لا نهاية، دعمت إسرائيل دائمًا، لكنها لم تتعهد بدعم أى زعيم إسرائيلى، مهما كانت أخطاؤه أو كلفة سياساته، وحين تقتنع بأن فاتورة نتنياهو أصبحت أعلى من العائد الذى يحققه، وأن استمرار بقائه يهدد مصالحها، فلن تبحث عن «تغيير إسرائيل»، وإنما عن «تغيير الرجل» الذى يقودها.
وربما تكون هذه هى الرسالة التى بدأت تتشكل، داخل دوائر صنع القرار الأمريكية، دعم إسرائيل أما نتنياهو فليس قدرًا، وإذا كان قد نجح طويلًا فى إقناع واشنطن بأن أمن إسرائيل يمر عبر بقائه، ترامب بدأ يرى العكس، وأن أمن مصالح بلاده، واستقرار المنطقة، وربما أمن إسرائيل أيضا، قد يبدأ من اليوم الذى يغادر فيه نتنياهو الحياة السياسية.
لن ينجح نتنياهو فى إقناع واشنطن للأبد بأن مصالحها مرتبطة به، والدول العظمى لا تمنح شيكات على بياض، ولا تدفع فاتورة حروب شخصية، وعندما تتجاوز كلفة نتنياهو جدواه، لن تسأل واشنطن «هل نتخلى عنه؟» بل «متى نجد بديلاً أقل تكلفة وأكثر عقلانية؟.

العبور الثالث
بدء خطوات السلام «1»
إرادة جموع الشعب






