الكثير من الوقائع التى تشغل الرأى العام لم تعد مجرد ترندات عابرة على مواقع التواصل الاجتماعى، بل أصبحت مؤشرات تجعل الجميع يتساءل عن منظومة القيم والمبادئ التى يتربى عليها الجيل الجديد، وهناك حوادث فجرت هذا التساؤل أبرزها الفوضى التى شهدتها منطقة المشجعين "الفان زون" بالعاصمة الإدارية، إلى طالب يخرج فى بث مباشر ليبلغ عن والده المدرس بسبب رفضه مساعدته على الغش، وظهرت طالبة وهى تشكو علنا من منعها من الغش داخل لجنة الامتحان كأنها سُلبت حقا أصيلا لها.
هذه الوقائع تجعلنا نتساءل عن دور وسائل التواصل الاجتماعى فى تشكيل مفاهيم الصواب والخطأ لدى بعض الشباب؟ وهل أصبح البحث عن التفاعل والانتشار على هذه الشبكات مقدمًا على احترام قيم الأسرة والخصوصية والانضباط.. "آخرساعة" طرحت هذه التساؤلات على علماء النفس والاجتماع ورجال الدين وخبراء التربية، فى محاولة للوصول إلى روشتة لتربية جيل جديد يعيش فى عالم رقمى مفتوح دون أن يفقد بوصلته الأخلاقية.
تذبذب السلوك

يقول الدكتور تامر شوقى أستاذ علم النفس التربوى بجامعة عين شمس إن سلوكيات الطلاب حاليًا تختلف عما كانت عليه لدى الأجيال السابقة، مشيرًا إلى أن أبرز هذه السلوكيات يتمثل فى اللامبالاة وضعف تحمل المسئولية والتهور والاندفاع وتراجع التعاطف فى التعامل مع الآخرين، فضلاً عن تنامى السلوكيات العدوانية، موضحًا أن هذه الظواهر ترجع لعدة أسباب منها افتقاد كثير من الآباء والأمهات أساليب التربية السليمة.
ويؤكد شوقى أن الأخطاء التربوية لا ترتبط بالمستوى التعليمى إذ يقع فيها متعلمون وغير متعلمين على حد سواء، ومن أبرز هذه الأخطاء "التدليل الزائد" الذى يتمثل فى الاستجابة لجميع مطالب الأبناء سواء كانت ضرورية أو ثانوية، مما يرسخ لدى الطفل اعتقادًا بأن جميع طلباته يجب أن تُلبى، وعندما يواجه الرفض خارج نطاق الأسرة قد يلجأ إلى سلوكيات غير سوية أو عدوانية للتعامل مع الموقف.
رقابة صارمة

ومن جانبها قالت الدكتورة عزة فتحى أستاذة مناهج الاجتماع بجامعة عين شمس إن المجتمع يواجه أزمة حقيقية فى التربية، فهناك أسر كثيرة تخلت عن دورها الأساسى فى تربية الأبناء رغم أن الأسرة تمثل اللبنة الأولى فى بناء المجتمع.
وانتقدت انشغال كثير من الأمهات بوسائل التواصل الاجتماعى أو بمقارنة حياتهن بالآخرين، مؤكدة أن بعض الأسر تقضى ساعات طويلة يوميًا أمام الهواتف المحمولة، حتى أصبح التواصل بين أفراد الأسرة يتم عبر الهاتف رغم وجودهم داخل المنزل نفسه، وهو ما يضعف العلاقات الأسرية ويؤثر فى عملية التربية.
مسئولية الآباء
وأضافت أن بعض الآباء يعتقدون أن مسئوليتهم تنتهى بتوفير المال أو إلحاق الأبناء بمدارس جيدة، بينما يتم ترك المراهقين لتنشئتهم بصورة ذاتية، فيتأثرون بالشارع أو الأصدقاء أو السوشيال ميديا.
وشددت على أهمية الحزم فى التعامل مع الأبناء، معتبرة أن وضع قواعد واضحة لاستخدام الهواتف المحمولة والإنترنت ومتابعة الالتزام بها يمثل جزءًا أساسيًا من التربية السليمة، ورأت أن كثيرًا من الآباء أصبحوا يسيئون فهم مفهوم المسئولية الأسرية، مؤكدة أن الرجولة لا تعنى مجرد ممارسة السلطة، وإنما تعنى تحمل المسئولية، واتخاذ القرار، ووضع الضوابط التى تحفظ استقرار الأسرة.
وأضافت أن المدرسة تتحمل جزءًا من المسئولية باعتبارها إحدى أهم مؤسسات التنشئة الاجتماعية، معربة عن أسفها لتراجع الاهتمام ببعض المواد التى تسهم فى بناء شخصية الطالب، مثل علم النفس وعلم الاجتماع، مؤكدة أن غرس القيم لا ينبغى أن يقتصر على مادة التربية الدينية، مشددة على أن ترسيخ قيم المواطنة واحترام الممتلكات العامة يجب أن يبدأ داخل الأسرة ويستمر فى المدرسة، لأن الممتلكات العامة هى ملك لكل أفراد المجتمع، والحفاظ عليها مسئولية وطنية.
المرجع الأول

أما الدكتور أحمد هارون استشارى الصحة النفسية فيرى أن الخطر الحقيقى لوسائل التواصل الاجتماعى لا يكمن فى التكنولوجيا نفسها، وإنما فى تحولها إلى المرجع الأول الذى يستمد منه كثير من الأبناء أفكارهم وقيمهم وسلوكياتهم، موضحًا أن المراهق عندما يقضى ساعات طويلة أمام المحتوى الرقمى، يصبح أكثر تأثرًا بما يراه من تصرفات تؤدى إلى الشهرة أو التفاعل دون النظر إلى القيم التى تربى عليها داخل الأسرة.
ويشير إلى أنه مع تكرار هذه النماذج قد يرى أنه سلوك طبيعى أو مقبول، فيتراجع لديه الشعور بخصوصية الأسرة واحترام الكبار والأمانة وتحمل المسئولية، لتحل محلها قيم أخرى مثل البحث عن الترند والإعجابات، مؤكدًا أن معالجة هذه الظاهرة لا تكون بمنع التكنولوجيا، وإنما بعودة دور الأسرة فى الحوار وغرس القيم، ومتابعة ما يتعرض له الأبناء فى العالم الرقمى، حتى يظل البيت هو المرجع الأول وليست شاشات الهواتف.
محكمة جماهيرية
فيما يرى الشيخ حسام أمين من علماء وزارة الأوقاف، أن قضايا التربية اليوم لم تعد تقتصر على ما يتلقاه الأبناء داخل المنزل أو المدرسة، بل أصبح هناك شريك ثالث يفرض حضوره بقوة، وهو وسائل التواصل الاجتماعى، فهذه المنصات لم تعد مجرد وسيلة للترفيه، بل تحولت إلى مصدر لتشكيل الأفكار والقيم والسلوكيات، حتى بات تأثيرها أحيانًا يفوق تأثير الأسرة والمعلم.
ويضيف: خلال الأيام الماضية، أثارت عدة وقائع حالة من الجدل الواسع، وبعيدًا عن الحكم على الأشخاص، فإن هذه النماذج تكشف عن تغيرات عميقة فى طريقة تفكير قطاع من الجيل الجديد، فبدلًا من اللجوء للحوار داخل الأسرة أو احترام خصوصية الخلافات، حيث أصبح الهاتف المحمول هو أول وسيلة للتعبير، وأصبحت المنصات الرقمية بمثابة "محكمة جماهيرية" يُعرض عليها كل شيء، سواء كان حقًا خاصًا أو مشكلة أسرية أو موقفا تربويًا.
ويشير أمين إلى أنه من منظور دينى رسّخت الشريعة الإسلامية مجموعة من المبادئ التى تحفظ تماسك المجتمع، وفى مقدمتها بر الوالدين وصيانة الأسرار واحترام المعلم والأمانة وتحريم الغش بكل صوره، فالنجاح الحقيقى لا يتحقق بالغش ولا تُبنى الأخلاق على كشف عيوب الآخرين أو التشهير بهم، حتى إن كان المخطئ أقرب الناس إلينا. وفى المقابل فإن هذه المبادئ لا تمنع من المطالبة بالحق أو الإبلاغ عن المخالفات عبر الطرق القانونية والمؤسسات المختصة، بعيدًا عن التشهير والإساءة.
اقرأ أيضا:
عمرها 62 مليون سنة .. حفريات مصرية تكشف أسرار الأسماك الحديثة
«الظاهر بيبرس».. أول وأكبر الجوامع المملوكية بمصر
الهيئة تتعهد بإيجاد حل مع بداية أغسطس.. «سيستم التأمينات» يسبب أزمة لـ45 ألف مواطن






